أحمد بن محمد المقري التلمساني

101

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

هذا الولد هو الذي قبّل جدّك يده واستدعى الماء لغسل يده منه بمحضر النصارى والمسلمين ، ونسبة الجدّ إلى الجدّ كنسبة الحفيد للحفيد ، وكونه لجأ إلى بلادك ليس بعار عليه ، وأنت معرّض إلى اللّجإ إليه فيكافئك بأضعاف ما عاملته به » . فقام أبو الحسن المستقضي يبكي ، ويقبّل يدي ، ويصفني بوليّ اللّه ، وكذلك من حضرني . وتوجّه إلى المغرب رسولا ، فقصّ على بني مرين خبر ما شاهده مني وسمعه ، وبالحضرة اليوم ممّن تلقّى منه ذلك كثير ، جعل اللّه تعالى ذلك خالصا لوجهه ! انتهى . [ مدح لسان الدين للقاضي النباهي وذم لسان الدين للقاضي النباهي بعد أن أظهر له العداوة ] وقد أثنى لسان الدين في « الإحاطة » على القاضي ابن الحسن المذكور كما سيأتي ، وقال في ترجمة السلطان ابن الأحمر ما نصّه : ثم قدّم للقضاء الفقيه الحسيب أبا الحسن ، وهو عين الأعيان بمالقة ، المخصوص برسم التجلّة والقيام بالعقد والحلّ ، فسدّد وقارب ، وحمل الكلّ « 1 » ، وأحسن مصاحبة الخطبة والخطة ، وأكرم المشيخة مع النزاهة ، ولم يقف في حسن التأني « 2 » على غاية ، فاتّفق على رجاحته ، ولم يقف في النصح عند غاية ؛ انتهى . وحين أظلم الجوّ بينه وبين لسان الدين ذكره في « الكتيبة الكامنة » ، بما يباين ما سبق ، ولقّبه بالجعسوس « 3 » ، ولم يقنعه ذلك حتى ألّف فيه « خلع الرسن في وصف القاضي ابن الحسن » . [ خطاب تقريع من القاضي النباهي إلى لسان الدين ] وقد وقفت بفاس المحروسة على كتاب مطوّل كتبه ابن الحسن للسان الدين بعد تحوّله عن الأندلس ، ونص ما تعلّق به الغرض هنا « 4 » : « فشرعتم في الشراء ، وتشييد البناء ، وتركتم الاستعداد لهاذم اللذات « 5 » ، هيهات هيهات ، تبنون ما لا تسكنون ، وتدّخرون ما لا تأكلون ، وتؤملون ما لا تدركون ؟ أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [ النساء : 78 ] فأين المهرب ممّا هو كائن ، ونحن إنما نتقلّب في قدرة الطالب ، شرقتم أو غربتم ، والأيام تتقاضى الدّين ، وتنادي بالنفس الفرّارة إلى أين إلى أين ، ونترك الكلام مع الناقد فيما ارتكبه من تزكية نفسه ، وعدّ ما جلبه من مناقبه ، ما عدا ما هدّد به من حديد لسانه ، خشية اندراجه في نمط من قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إنّ من شرّ الناس من تركه الناس اتّقاء فحشه » ولا غيبة فيمن ألقى

--> ( 1 ) الكلّ ، بفتح الكاف وتشديد اللام : العاجز الضعيف . ( 2 ) في ب « حسن التأتي » . ( 3 ) الجعسوس - بزنة العصفور - القصير الدميم . ( 4 ) انظر أزهار الرياض ج 1 / 212 . ( 5 ) هاذم اللذات : الموت .