أحمد بن محمد المقري التلمساني
400
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الأقطار ، ورجموا البيازين بالحجارة من القلعة ، وعظم الخطب « 1 » ، وكانت الثورة ثالث شهر ربيع الأول عام أحد وتسعين وثمانمائة ، ودامت الفتنة إلى منتصف جمادى الأولى من العام ، وبلغ الخبر أن السلطان الذي قاموا بدعوته قدم على لوشة ودخلها على وجه رجاء الصلح بينه وبين عمه الزّغل صاحب قلعة غرناطة ، بأن العم يكون له الملك ، وابن أخيه تحت إيالته بلوشة أو بأي المواضع أحب ، ويكونون يدا واحدة على عدوّ الدين ، وبينما هم كذلك « 2 » إذا بصاحب قشتالة قد خرج بجند عظيم ومحلة قوية وعدد وعدد ، ونازل لوشة حيث السلطان أبو عبد اللّه الذي كان أسيرا ، وضيق عليها « 3 » الحصار ، وقد كان دخلها جماعة من أهل البيازين بنية الجهاد والمعاضدة وليهم « 4 » ، وخاف أهل غرناطة وسواها من أن يكون ذلك حيلة ، فلم يأت لنصرتهم غير البيازين ، واشتد عليهم الحصار ، وكثرت الأقاويل ، وصرحت الألسن بأن ذلك باتفاق بين السلطان المأسور وصاحب قشتالة ، ودخل على أهل لوشة في ربضهم ، وخافوا من الاستئصال ، فطلبوا الأمان في أموالهم وأنفسهم وأهليهم ، فوفى لهم صاحب قشتالة بذلك ، وأخذ البلد في السادس والعشرين لجمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وثمانمائة ، وهي - أعني لوشة - كانت بلد سلف الوزير لسان الدين بن الخطيب ، كما ذكرناه مستوفى في غير هذا الموضع ، وهاجر أهل لوشة إلى غرناطة ، وبقي السلطان أبو عبد اللّه الذي كان مأسورا مع النصراني بلوشة ، فصرح عند ذلك أهل غرناطة بأنه ما جاء للوشة إلا ليدخل إليها العدو الكافر ، ويجعلها فداء له ، وقيل : إنه سرّح « 5 » له حينئذ ابنه إذ كان مرهونا في الفداء ، وكثر القيل والقال بينهم وبين أهل البيازين في ذلك ، وظهر بذلك ما كان كامنا في القلوب ، ثم رجع صاحب قشتالة إلى بلاده ومعه السلطان المذكور . وفي نصف جمادى الثانية خرج إلى إلبيرة فهد بعض الأسوار ، وتوعد الناس ، فأعطاه أهله الحصن على الأمان ، فخرجوا وقدموا على غرناطة ، ثم فعل بحصن التلين « 6 » مثل ذلك ، وقاتلوا قتالا شديدا ، ولما ضاقوا ذرعا أعطوه بالمقادة على الأمان ، فخرجوا إلى غرناطة وأطاع أهل قلنبيرة من غير قتال ، فخرجوا إلى غرناطة ثم وصل العدو إلى منت فريد « 7 » ، فرمى عليهم بالمحرقات وغيرها ، وأحرق دار العدة ، فطلبوا الأمان وخرجوا إلى غرناطة ، وانتقل للصخرة فأخذها ، وحصّن هذه الحصون كلها ، وشحنها بالرجال والعدة ، ورتب فيها الخيل لمحاصرة
--> ( 1 ) الخطب : المصيبة . ( 2 ) في ب ، ه « وبينما هم في هذا » . ( 3 ) في ب ، ه « وضيق بها الحصار » . ( 4 ) لمعاضدة وليهم : لمساعدة وليهم . ( 5 ) سرحه له : أطلقه . ( 6 ) كذا في أ ، ج . وفي ب « بحصن المتلين » . ( 7 ) في ج « متن فريد » .