أحمد بن محمد المقري التلمساني
350
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وأوطىء الفيلق الجرار أرضهم * حتى يطأطئ رأسا كلّ من رأسا « 1 » وانصر عبيدا بأقصى شرقها شرقت * عيونهم أدمعا تهمي زكا وخسا « 2 » هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت * داء متى لم تباشر حسمه انتكسا « 3 » فاملأ هنيئا لك التأييد ساحتها * جردا سلاهب أو خطّية دعسا « 4 » واضرب لها موعدا بالفتح ترقبه * لعلّ يوم الأعادي قد أتى وعسى [ تغلب الإفرنج على بلنسية ووقعة كتندة ] فبادر السلطان بإعانتهم « 5 » ، وشحن الأساطيل بالمدد إليهم ، من المال والأقوات والكسي ، فوجدوهم في هوّة الحصار ، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية ، ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس ، وكان تغلب العدو على بلنسية صلحا يوم الثلاثاء ، السابع عشر لصفر من سنة ست وثلاثين وستمائة ، فهزّت هذه القصيدة من الملك عطف ارتياح ، وحركت من جنانه أخفض جناح ، ولشغفه بها وحسن موقعها منه أمر شعراء حضرته بمجاوبتها ، فجاوبها غير واحد ، وحال العدو بين بلنسية وبينه ، وتعاهد أهلها مع النصراني على أن يسلمهم في أنفسهم ، وذلك سنة سبع وثلاثين وستمائة ، أعادها اللّه تعالى للإسلام . وكانت وقعة كتندة « 6 » على المسلمين قبل هذا التاريخ بمدة ، وكتندة - يقال « قتندة » بالقاف - من حيز دورقة من عمل سرقسطة من الثغر الأعلى ، وكانت الهزيمة على المسلمين جبرهم اللّه تعالى ، قتل فيها من المطوّعة نحو من عشرين ألفا ، ولم يقتل فيها من العسكر أحد ، وكان على المسلمين الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي ألّف الفتح باسمه « قلائد العقيان » وكانت سنة أربع عشرة وخمسمائة ، وممن حضرها الشيخ أبو علي الصدفي السابق الذكر ، وقرينه في الفضل أبو عبد اللّه بن الفراء خرجا غازيين ، فكانا ممن فقد فيها . وقال غير واحد : إن العسكر انصرف مفلولا « 7 » إلى بلنسية ، وإن القاضي أبا بكر بن العربيّ كان ممن حضرها ، وسئل مخلصه منها عن حاله ، فقال : حال من ترك الخباء والعباء ، وهذا مثل عند المغاربة معروف ، يقال لمن ذهبت ثيابه وخيامه ، بمعنى أنه ذهب جميع ما لديه .
--> ( 1 ) الفيلق : القطعة العظيمة من الجيش . ( 2 ) زكا وخسا : أي شفعا ووترا . ( 3 ) في ج « راء متى لم تباشر جسمها انتكسا » . ( 4 ) الجرد : هنا الخيول . والسلاهب : جمع سلهب وهو الطويل من الخيل . والخطية : الرماح . ودعس : حادة . ( 5 ) انظر ابن عذاري 3 / 344 . ( 6 ) انظر معجم البلدان ط صادر بيروت 4 / 310 . ( 7 ) مفلولا : هنا منهزما .