أحمد بن محمد المقري التلمساني

333

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

يظاهره مهما ندبه ، ولا يسعف في الإيواء طلبه ، فاستوفينا ما استدعاه ذلك البيان الصريح وجلبه ، وخطه القلم الفصيح وكتبه ، وليعلم مقامكم وهو من أصالة النظر غنيّ عن الإعلام ، ولكن لابد من الاستراحة بالكلام ، والتنفث بنفثات الأقلام ، أننا إنما نجري أمورنا مع هذا العدو الكافر الذي رمينا بجواره ، وبلينا والحمد للّه بمصادمة تيّاره ، على تعداد أقطاره ، واتساع براريه وبحاره ، بأن تكون الأمّة المحمدية بالعدوتين تحت وفاق ، وأسواق النّفاق غير ذات نفاق « 1 » ، والجماهير تحت عهد من اللّه تعالى وميثاق ، فمهما تعرفنا أن اثنين اختلف منهما بالعدوتين عقد ، ووقع بينهما في قبول الطاعة رد ، ساءنا واقعه ، وعظمت لدينا مواقعه ، وسألنا أن يتدارك الخرق راقعه ، لما نتوقعه من التشاغل عن نصرنا ، وتفرغ العدو إلى ضرنا ، فكيف إذا وقعت الفتنة في صقعنا وقطرنا ، إنما هي شعلة في بعض بيوتنا وقعت ، وحادثة إلى جهتنا أشرعت ، وإن كان لسوانا لفظهما فلنا معناها ، وعلى وطننا يعود جناها ، فنحن أحرص الناس على إطفائها وإخمادها ، وأسعى في إصلاح فسادها ، والمثابرة على كفها واستئسادها « 2 » ، وما الظن بدار فسد بابها ، وآمال رثّت أسبابها « 3 » ، وجزيرة لا تستقيم أحوال من بها إلا بالسكون ، وسلم العدو والمغرور المفتون ، حتى تقضى منه بإعانتكم الديون ، وإن اضطرابها إنما هو داء نستبصر « 4 » من رأيكم فيه بطبيب ، وهدف خطب نرميه من عزمكم بسهم مصيب ، وأمر نضرع في تداركه إلى سميع للدعاء مجيب ، ونحن فيه يد أمام يدكم ، ومقصدنا فيه تبع لقصدكم ، وتصرفنا على حد إشارتكم جار ، وعزمنا إلى منتهى مرضاتكم متبار ، وعقدنا في مشايعة أمركم غير متوار ، وقد كنا لأول اتصال هذا الخبر ، القبيح العين والأثر ، بادرنا تعريفكم بجميع ما اتصل بنا في شأنه ، ولم نطو عنكم شيئا من إسراره ولا إعلانه ، وبعثنا رسولنا إلى بابكم العلي نعتدّ بسلطانه ، ونرتجي تمهيد هذا الوطن بتمهيد أوطانه ، وبادرنا بالمخاطبة من وجبت مخاطبته من أهل مربلة وأسطبونة نثبت بصائرهم في الطاعة ونقويها ، ونعدهم بتوجيه من يحفظ جهاتهم ويحميها ، وعجلنا إلى بعضها مددا من الرماة والسلاح ليكون ذلك عدّة فيها ، وعلمنا « 5 » ما أوجب اللّه تعالى من الأعمال التي يزلف بها « 6 » ويرتضيها ، وكيف لا نظاهر أمركم الذي هو العدة المذخورة ، والفئة الناصرة المنصورة ، والباطل سراب يخدع ، والحق إليه يرجع ، والبغي

--> ( 1 ) نفاق - بفتح النون : رواج . ( 2 ) استئسادها : الزيادة في شرها واندلاع لهبها . ( 3 ) رثت : بليت وتقطعت ، والأسباب جمع سبب ، وأصله : الحبل . ( 4 ) في ب « نستنصر » . ( 5 ) في ب « وعلمنا ما أوجب اللّه » . ( 6 ) يزلف : يقرب .