أحمد بن محمد المقري التلمساني
315
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
اللّه تعالى أننا لو لم تعق العوائق الكبيرة ، والموانع الكثيرة ، والأعداء الذين دهيت « 1 » بهم في الوقت هذه الجزيرة ، ما قدمنا عملا على اللحاق بكم ، والاتصال بسببكم ، حتى نوفي لأبوّتكم الكريمة حقها ، ونوضح من المسرة طرقها ، لكن الأعذار واضحة وضوح المثل السائر ، واللّه العالم بالسرائر ، وإلى اللّه تعالى نبتهل في أن يوضح لكم من التيسير طريقا ، يجعل السعد لكم مصاحبا ورفيقا ، ولا يعدمكم عناية منه وتوفيقا ، ويتم سرورنا عن قريب بتعرف « 2 » أنبائكم السارة ، وسعودكم الدارّة ، فذلك منه سبحانه غاية آمالنا ، وفيه إعمال ضراعتنا وابتهالنا « 3 » ، هذه ما عندنا بادرنا لإعلامكم به أسرع البدار ، واللّه تعالى يوفد علينا أكرم الأخبار ، بسعادة ملككم السامي المقدار ، وييسر ماله من الأوطار ، ويصل سعدكم ، ويحرس مجدكم ، والسلام عليكم ورحمة اللّه تعالى وبركاته ، انتهى . وكان طاغية النصارى الملعون لكثرة ما مارس من أمور الأندلس وسلاطين فاس كثيرة ما يدسّ لأقارب الملوك القيام على صاحب الأمر ، ويزين له الثورة ، ويعده بالإمداد بالمال والعدّة ، وقصده بذلك كله توهين المسلمين « 4 » ، وإفساد تدبيرهم ، ونسخ الدول بعضها ببعض ، لما له في ذلك من المصلحة ، حتى بلغ أبعده اللّه تعالى من أمله الغاية . [ كتاب آخر من سلطان الأندلس إلى سلطان فارس ( إنشاء لسان الدين ) ] ومن إنشاء لسان الدين بن الخطيب - رحمه اللّه تعالى ! - عن سلطان الأندلس إلى سلطان فاس المريني ، يعتذر عن فرار الأمير أبي الفضل المريني الذي كان معتقلا بغرناطة ، فتحيل الطاغية في أمره حتى خرج طالبا للملك ، ما نصه : المقام الذي شهد الليل والنهار بأصالة سعادته ، وجرى الفلك الدوّار بحكم إرادته ، وتعود الظفر بمن يناويه فاطرد والحمد للّه جريان عادته ، فوليّه متحقق لإفادته ، وعدوه مرتقب لإبادته ، وحلل الصنائع الإلهية تضفو « 5 » على أعطاف مجادته ، مقام محل أخينا الذي سهم سعده صائب ، وأمل من كاده خاسر خائب ، وسير الفلك المدار في مرضاته دائب ، وصنائع اللّه تعالى له تصحبها الألطاف العجائب ، فسيان شاهد منه في عصمة وغائب ، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ، أبقاه اللّه تعالى مسدّد السهم ! ماضي العزم ! تجل سعوده عن تصور الوهم ! ولا زال مرهوب الحد ممتثل الرسم ! موفور الحظ من نعمة اللّه تعالى عند تعدد القسم ! فائزا بفلج الخصام « 6 » عند لد الخصم ! معظم قدره ، وملتزم بره ، المبتهج بما يسببه اللّه تعالى له من إعزاز نصره ، وإظهار أمره ، فلان .
--> ( 1 ) في ج « الذين ذهبت بهم » . ( 2 ) في ج « بتعريف » . ( 3 ) في ب ، ه « ضراعتنا وسؤالنا » . ( 4 ) توهين المسلمين : إضعافهم . ( 5 ) تضفو : تكثر وتزيد . ( 6 ) الفلج : النصر والفوز .