أحمد بن محمد المقري التلمساني

302

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الحرة من الكسوة ما يجل قدره ، وقيل لها أن تملي ما تحتاج إليه ولا يعوزها شيء ، وإنما تريد عناية السلطان بإكرامها وإكرام من معها حيث كانوا ، فتقدم السلطان إلى النشو وإلى الأمير أحمد أقبغا بتجهيزها اللائق بها ، فقاما بذلك ، واستخدما لها السقائين والضوية « 1 » ، وهيّآ كل ما تحتاج إليه في سفرها من أصناف الحلاوات والسكر والدقيق والبقسماط ، وطلبا الحمالة لحمل جهازها وأزودتها ، وندب السلطان للسفر معها جمال الدين متولي الجيزة ، وأمره أن يرحل بها في مركب لها بمفردها قدام المحمل « 2 » ، ويمتثل كل ما تأمر به ، وكتب لأميري مكة والمدينة بخدمتها أتم خدمة . وقال في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ما نصه : وفي نصف شعبان قدمت الحرة أخت صاحب المغرب في جماعة كثيرة ، وعلى يدها كتاب السلطان أبي الحسن يتضمن السلام ، وأن يدعو له الخطباء في يوم الجمعة ومشايخ الصلاح وأهل الخير بالنصر على عدوهم ، ويكتب إلى أهل الحرمين بذلك ، وذلك أن في السنة الخالية كانت بينه وبين الفرنج وقعة عظيمة قتل فيها ولده ، ونصره اللّه تعالى بمنه على العدو ، وقتل كثيرا منهم ، وملكوا منهم الجزيرة الخضراء ، فعمر الفرنج مائتي شيني « 3 » ، وجمعوا طوائفهم ، وقصدوا المسلمين ، وأوقعوا بهم على حين غفلة ، فاستشهد عالم كثير ، ونجا أبو الحسن في طائفة من ألزامه بعد شدائد ، وملك الفرنج الجزيرة ، وأسروا وسبوا وغنموا شيئا يجل وصفه ، ثم مضوا إلى جهة غرناطة ، ونصبوا عليها مائة منجنيق حتى صالحهم على قطيعة يقومون بها ، وتهادنوا مدة عشر سنين ، ا ه كلامه . وقد تقدم نص هذا الكتاب الموجه من السلطان أبي الحسن فليراجع قريبا . وقال ابن مرزوق في « المسند الصحيح الحسن » بعد كلام ما ملخصه : وكان يعني السلطان أبا الحسن - مجتهدا في الجهاد بنفسه وحرمه ، وجاز للآندلس برسم ذلك بنفسه ، وأظهر آثاره الجميلة ، ومنها ارتجاع جبل الفتح ليد المسلمين بعد أن أنفق « 4 » عليه الأموال ، وصرف « 5 » إليه الجنود والحشود ، إذ كان من عمالته هو والجزيرة ورندة ، ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين ، وأنفق على بنائه أحمال مال ، واعتنى بتحصينه ، وبنى حصنه وأبراجه وسوره وجامعه ودوره ومخازنه ، ولما كاد يتم ذلك نازله العلو برا وبحرا ، فصبر المسلمون صبر الكرام ، فخيب اللّه تعالى أمل العدو ، وعاد خاسرا « 6 » ، والمنة للّه ، فرأى

--> ( 1 ) في ه « والضوئية » . ( 2 ) قدام المحمل : أمام المحمل . ( 3 ) في ه « شيتي » . ( 4 ) في بعض النسخ « انفقوا . . . وصرفوا » . ( 5 ) في بعض النسخ « انفقوا . . . وصرفوا » . ( 6 ) في ه « وصار خاسرا » .