أحمد بن محمد المقري التلمساني

275

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وحكي أن موضع المعترك كان على اتساعه ما كان فيه موضع قدم إلا على ميت أو دم ، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام ، حتى جمعت الغنائم ، واستؤذن في ذلك السلطان يوسف ، فعفّ عنها ، وآثر بها ملوك الأندلس ، وعرفهم أن مقصده الجهاد والأجر العظيم ، وما عند اللّه في ذلك من الثواب المقيم ، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه ، وأحبوه وشكروا له ذلك . ولما بلغ الأذفونش إلى بلاده وسأل عن أبطاله وشجعانه وأصحابه ففقدهم ولم يسمع إلا نواح الثّكلى عليهم ، اهتم ولم يأكل ولم يشرب حتى هلك غما وهما ، وراح إلى أمه الهاوية « 1 » ، ولم يخلف إلا بنتا واحدة جعل الأمر إليها ، فتحصنت بطليطلة . ورحل المعتمد إلى إشبيلية ومعه السلطان يوسف بن تاشفين ، فأقام السلطان يوسف بن تاشفين بظاهر إشبيلية ثلاثة أيام ، ووردت عليه من المغرب أخبار تقتضي العزم ، فسافر ، وذهب معه ابن عباد يوما وليلة ، فحلف ابن تاشفين وعزم عليه في الرجوع ، وكانت جراحاته تورّمت عليه ، فسير معه ولده عبد اللّه إلى أن وصل البحر ، وعبر إلى المغرب . ولما رجع ابن عباد إلى إشبيلية جلس للناس ، وهنّئ بالفتح ، وقرأت القراء ، وقامت « 2 » على رأسه الشعراء ، فأنشدوه ، قال عبد الجليل بن وهبون : حضرت ذلك اليوم ، وأعددت قصيدة أنشدها بين يديه ، فقرأ القارئ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [ التوبة : 40 ] فقلت : بعدا لي ولشعري ! واللّه ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به . ولما عزم السلطان يوسف بن تاشفين إلى بلاده ترك الأمير سير « 3 » بن أبي بكر أحد قوّاده المشاهير ، وترك معه جيشا برسم غزو الفرنج ، فاستراح الأمير المذكور أياما قلائل ، ودخل بلاد الأذفونش ، وأطلق الغارة ، ونهب وسبى ، وفتح الحصون المنيعة ، والمعاقل الصعبة العويصة ، وتوغل في البلاد ، وحصل أموالا وذخائر عظيمة ، ورتب رجالا وفرسانا في جميع ما أخذه ، وأرسل للسلطان يوسف جميع ما حصله ، وكتب له يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكابدة العدوّ وملازمة الحرب والقتال في أضيق العيش وأنكده ، وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم في أرغد عيش وأطيبه « 4 » ، وسأله مرسومه ، فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى

--> ( 1 ) راح إلى أمه الهاوية : أي هلك وراح إلى جهنم . ( 2 ) في ب ، ه « وقام على رأسه الشعراء » . ( 3 ) في ج « سيري بن أبي بكر » . ( 4 ) في ب ، ه « في أرغد العيش وأطيبه » .