أحمد بن محمد المقري التلمساني
269
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
سفن تعبر فيها البحر إلينا ، فقد عبرنا إليك ، وقد جمع اللّه تعالى في هذه الساحة بيننا وبينك ، وسترى عاقبة دعائك وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [ غافر : 50 ] انتهى بمعناه ، وأكثره بلفظه . [ عود إلى رواية صاحب « الروض المعطار » ] ولنرجع إلى كلام صاحب « الروض المعطار » « 1 » فإنه أقعد بتاريخ الأندلس ، إذ هو منهم ، وصاحب البيت أدرى [ بالذي فيه ] « 2 » ، قال رحمه اللّه تعالى : فلما عبر يوسف وجميع جيوشه إلى الجزيرة الخضراء انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات ، جيشا بعد جيش ، وأميرا بعد أمير ، وقبيلا بعد قبيل ، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف ، وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات ، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه ، وتواردت الجيوش مع أمرائها على إشبيلية ، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه ، فلما أتى محلة يوسف ركض نحو القوم ، وركضوا نحوه ، فبرز إليه يوسف وحده ، والتقيا منفردين ، وتصافحا ، وتعانقا ، وأظهر كل منهما لصاحبه المودة والخلوص ، وشكرا نعم اللّه تعالى ، وتواصيا بالصبر والرحمة ، وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر ، وتضرعا إلى اللّه تعالى في أن يجعل ذلك خالصا لوجهه ، مقربا إليه ، وافترقا ، فعاد يوسف لمحلته ، وابن عباد إلى جهته ، وألحق ابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحف وضيافات أوسع بها على محلة يوسف بن تاشفين ، وباتوا تلك الليلة ، فلما أصبحوا وصلّوا الصبح ركب الجميع ، وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم نحو إشبيلية ، ففعل ، ورأى الناس من عزة سلطانهم « 3 » ما سرهم ، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر أو أعان وخرج أو أخرج ، وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف كل صقع من أصقاعه رابطوا وكابدوا « 4 » ، وكان الأذفونش لما تحقق الحركة والحرب استنفر جميع أهل بلاده وما يليها وما وراءها ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم ، ونشروا أناجيلهم ، فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة ما لا يحصى عدده ، وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع ، وبعث الأذفونش إلى ابن عباد أن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده ، وخاض البحور « 5 » وأنا أكفيه العناء فيما بقي ، ولا أكلفكم تعبا ، أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقا بكم وتوفيرا عليكم ، وقال لخاصته وأهل مشورته : إني « 6 » رأيت أني إن مكنتهم من الدخول إلى بلادي ، فناجزوني فيها وبين جدرها « 7 » ، وربما كانت الدائرة علي ،
--> ( 1 ) انظر الروض المعطار 87 . ( 2 ) كلمة « بالذي فيه » لا توجد في أصل ه . ( 3 ) في ب ، ه « من عزة سلطانه ما سرّه » . ( 4 ) في ب « رابطوا وصابروا » وفي ه « رابطوا وكابروا » . ( 5 ) كذا في ب ، ه والروض المعطار ، وفي أ « وخاض البحار » . ( 6 ) في الروض « إني رأيت إن أمكنتهم » . ( 7 ) في الروض « فناجزوني بين جدرها » .