أحمد بن محمد المقري التلمساني

173

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

زال يدبّرها بجوده ونهاه ، ويورد الآمل فيها مناه « 1 » ، حتى غدت عراقا ، وامتلأت إشراقا ، إلى أن اتفق في أمر الجزيرة ما اتفق ، وخاب فيها الرجاء وأخفق ، واستحالت بهجتها ، وأحالت عليها من الحال « 2 » لجتها ، فانتقل إلى رندة معقل أشب ، ومنزل للسّماك منتسب ، وأقام فيها رهين حصار ، ومهين حماة وأنصار ، ولقيت ريحه كل إعصار ، حتى رمته سهام الخطوب عن قسيّها ، وأمكنت منه يدي مسيّها ، فحواه رمسه ، وطواه عن غده أمسه ، حسبما بسطنا القول فيه ، فيما مر من أخبار أبيه ، انتهى . والذي أشار إليه هنا وأحال عليه فيما تقدم له من أخبار المعتمد هو قوله بعد حكايته قتل المأمون بن المعتمد بقرطبة وسياقه « 3 » أخبار ذلك ما نصه « 4 » : ثم انتقلوا إلى رندة أحد « 5 » معاقل الأندلس الممتنعة ، وقواعدها السامية المرتفعة ، تطرد منها على بعد مرتقاها ، ودنوّ النجوم من ذراها ، عيون لانصبابها دويّ كالرعد القاصف ، والرياح العواصف ، ثم تتكوّن واديا يلتوي بجوانبها التواء الشجاع « 6 » ، ويزيدها في التوعر والامتناع ، وقد تجوّنت نواحيها وأقطارها ، وتكوّنت فيها لباناتها وأوطارها ، لا يتعذر لها مطلب ، ولا يتصوّر فيها عدوّ إلا عقله « 7 » ناب أو مخلب ، فلما أناخوا « 8 » منها على بعد ، وأقاموا من الرجاء فيها على غير وعد ، وفيها ابنه الراضي لم يحفل بإناحتهم بإزائه ، ولا عدّها من أرزائه ، لامتناعه من منازلتهم ، وارتفاعه عن مطاولتهم ، إلى أن انقضى في [ أمر ] إشبيلية ما انقضى ، وأفضى أمر أبيه إلى ما أفضى ، فحمل على مخاطبته لينزل عن صياصيه ، ويمكنهم من نواصيه ، فنزل برا بأبيه ، وإبقاء على أرماق ذويه ، بعد أن عاقدهم مستوثقا ، وأخذ عليهم عهدا من اللّه وموثقا ، فلما وصل إليهم ، وحصل في يديهم ، مالوا به عن الحصن « 9 » وجرعوه الردى ، وأقطعوه الثرى حين أودى ، وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما ، وقد رأى قمرية بائحة بشجنها ، نائحة بفننها على سكنها ، وأمامها وكر فيه طائران يرددان نغما ، ويغردان ترحة وترنما : [ الطويل ] بكت أن رأت إلفين ضمّهما وكر * مساء وقد أخنى على إلفها الدّهر وناحت فباحت واستراحت بسرّها * وما نطقت حرفا يباح به سرّ « 10 »

--> ( 1 ) في ه « ويورد الأمل فيها منتهاه » . ( 2 ) في ه « من الحوادث لجتها » . ( 3 ) في ب « وسياقة أخبار . . . » . ( 4 ) القلائد ص 20 . ( 5 ) في أ « إحدى معاقل الأندلس » . ( 6 ) الشجاع : الثعبان . ( 7 ) في ب ، ه « علقه » . ( 8 ) في ه « فأناخوا » . ( 9 ) في ه « مالوا به إلى ناحية من الحصن » . ( 10 ) في ب ، ه « يبوح به سر » .