أحمد بن محمد المقري التلمساني
153
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
بأوفر حصّة ، وغدت سمته به صفة مختصة ، فيما يمح « 1 » رسم القضاء ، ولم يتّسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء ، وما زال يحمي حوزته ، ويجلو عزته « 2 » ، حتى حوته الرجام ، وخلت منه تلك الآجام ، وانتقل الملك إلى ابنه المعتضد ، وحل منه في روض نمّق له ونضد ، ولم يعمر فيه ولم يدم ولاه ، وتسمى بالمعتضد بالله ، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاه ، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدّر ذلك المنهل ، وعكر أثناء ذلك صفو العل والنّهل « 3 » ، وما زال للأرواح قابضا ، وللوثوب عليها رابضا ، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر ، وينتصف منهم بالدهاء والمكر ، إلى أن أفضى الملك إلى ابنه المعتمد ، فاكتحل منه طرفه الرّمد ، وأحمد مجده ، وتقلد منه أيّ بأس ونجدة ، ونال به الحق مناه ، وجدّد سناه « 4 » ، وأقام في الملك ثلاثا وعشرين سنة ، لم تعدم له فيها حسنة ولا سيرة مستحسنة ، إلى أن غلب على سلطانه ، وذهب به من أوطانه ، فنقل ، إلى حيث اعتقل ، وأقام كذلك إلى أن مات ، ووارته تربة أغمات « 5 » ، وكان للقاضي جده أدب غض ، ومذهب مبيض ، ونظم يرتجله كل حين ، وينفثه « 6 » أعطر من الرياحين ، فمن ذلك قوله يصف النيلوفر : [ البسيط ] يا ناظرين لذا النّيلوفر البهج * وطيب مخبره في الفوح والأرج « 7 » كأنّه جام درّ في تألّقه * قد أحكموا وسطه فصّا من السّبج « 8 » انتهى المقصود منه . وهو - أعني الفتح - يشيد قصور الشرف إذا مدح ، ويهدم معاقلها إذا هجا وقدح . [ الأديب أبو جعفر بن البني ] ومن أغراضه قوله في « المطمح » في حق الأديب أبي جعفر بن البنّي : رافع رايات القريض ، وصاحب آيات التصريح والتعريض ، أقام شرائعه ، وأظهر بدائعه ، إذا نظم أزرى بالعقود ، وأتى بأحسن من رقم البرود ، وكان أليف غلمان ، وحليف كفر لا إيمان ، ما نطق متشرعا ، ولا رمق متورعا ، ولا اعتقد حشرا ، ولا صدق بعثا ولا نشرا ، وربما تنسك مجونا
--> ( 1 ) في ب « فلم يمح رسم » . ( 2 ) في ب ، ه « ويجلو غرّته » . ( 3 ) في ه « وتصدر أثناء ذلك العل والنهل » وفي المطمح « وتصور » . ( 4 ) في ه « وندى به لحق مناه ، وجزر سنه » وفي ب « وجرّ رسنه » . ( 5 ) في ب ، ه « ووراته بربّة أغمات » . ( 6 ) في ب ، ه « ويبعثه » . ( 7 ) في ه « يا ناظرين ندى النيلوفر » . ( 8 ) الجام : إناء من فضة كالكأس ، والسبج : خرز أسود .