أحمد بن محمد المقري التلمساني

147

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ومنعوا جفون أهلها السّنات ، وأخذوا البنين من حجور آبائهم والبنات ، وتلقّبوا بالإمارة ، وأركبوا السوء نفوسهم الأمّارة ، حتى كادت أن تقفر على أيديهم ، وتدثر رسومها بإفراط تعدّيهم ، إلى أن تدارك أمير المسلمين رحمه تعالى أمرهم ، وأطفأ جمرهم ، وأوجعهم ضربا ، وأقطعهم ما شاء حزنا وكربا ، وسجنهم بأغمات ، وضمّتهم جوانح الملمّات ، والمعتمد إذ ذاك معتقل هناك ، وكانت فيهم طائفة شعرية ، مذنبة أو بريّة « 1 » ، فرغبوا إلى سجّانهم ، أن يستريحوا مع المعتمد من أشجانهم ، فخلّى ما بينهم وبينه ، وغمض لهم في ذلك عينه ، فكان المعتمد رحمه اللّه تعالى يتسلّى بمجالستهم ، ويجد أثر مؤانستهم ، ويستريح إليهم بجواه ، ويبوح لهم بسرّه ونجواه ، إلى أن شفع فيهم وانطلقوا من وثاقهم ، وانفرج لهم مبهم أغلاقهم ، وبقي المعتمد في محبسه يشتكي من ضيق الكبل ، ويبكي بدمع كالوبل ، فدخلوا عليه مودعين ، ومن بثّه متوجّعين ، فقال : [ الطويل ] أما لانسكاب الدمع في الخدّ راحة * لقد آن أن يفنى ، ويفنى به الخدّ هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلى * بما منه قد عافاكم الصّمد الفرد تخلّصتم من سجن أغمات والتوت * عليّ قيود لم يحن فكّها بعد من الدّهم أمّا خلقها فأساود * تلوّى وأما الأيد والبطش فالأسد « 2 » فهنيتم النعما ، ودامت لكلكم * سعادته إن كان قد خانني سعد خرجتم جماعات وخلّفت واحدا * وللّه في أمري وأمركم الحمد ومرّ عليه في موضع اعتقاله سرب قطا لم يعلق لها جناح ، ولا تعلّق بها من الأيام جناح ، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك « 3 » ، ولا أعوزها البشام ولا الأراك ، وهي تمرح في الجو ، وتسرح في مواقع النو ، فتنكّد بما هو فيه من الوثاق ، وما دون أحبّته من الرقباء والأغلاق ، وما يقاسيه من كبله ، ويعانيه من وجده وخبله ، وفكّر في بناته وافتقارهنّ إلى نعيم عهدنه ، وحبور حضرنه وشهدنه ، فقال : [ الطويل ] بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي * سوارح لا سجن يعوق ولا كبل ولم تك ، واللّه المعيد ، حسادة * ولكن حنينا أنّ شكلي لها شكل « 4 »

--> ( 1 ) برية : أي بريئة ، سهلت الهمزة بقلبها ياء ثم أدغمت في الياء . ( 2 ) الأيد : القوة . ( 3 ) الأشراك : جمع شرك ، وهو الفخ . ( 4 ) في ب : « واللّه المعيذ » .