أحمد بن محمد المقري التلمساني
145
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فنزل عدوته ، وحلّ للحزم حبوته ، وتدارك داءه قبل إعضاله ، ونازله وما أعدّ آلات نضاله ، وانحشدت إليه الجيوش من كل قطر ، وأفرغ من مسالكه كلّ قطر ، فبقي محصورا لا يشدّ إليه إلّا سهم ، ولا ينفذ عنه إلّا نفس أو وهم ، وامتسك شهورا حتى عرضه أحد الرماة بسهم فرماه ، فأصماه ، فهوى في مطلعه ، وخرّ قتيلا في موضعه ، فدفن إلى جانب سريره ، وأمن عاقبة تغريره ، وبقي أهله ممتنعين مع طائفة من وزرائه حتى اشتدّ عليهم الحصر ، وارتدّ عنهم النصر ، وعمّهم الجوع ، وأغبّ أجفانهم الهجوع « 1 » فنزلت منهم طائفة متهافتة ، وولّت بأنفاس خافتة ، فتبعهم من بقي ، ورغب في التنعم من شقي ، فوصلوا إلى قبضة الملمات ، وحصلوا في غصّة الممات ، فوسمهم الحيف ، وتقسّمهم السيف ، ولمّا زأر الشّبل خيفت سورة الأسد ، ولم يرج صلاح الكلّ والبعض قد فسد ، فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وأثناءها ، وأحلّ ساحة الخطوب وفناءها ، وحين أركبوه أساودا ، وأورثوه حزنا بات له معاودا ، قال : [ الكامل ] غنّتك أغماتية الألحان * ثقلت على الأرواح والأبدان قد كان كالثعبان رمحك في الورى * فغدا عليك القيد كالثعبان « 2 » متمرّدا يحميك كلّ تمرّد * متعطّفا لا رحمة للعاني « 3 » قلبي إلى الرحمن يشكو بثّه * ما خاب من يشكو إلى الرحمن يا سائلا عن شأنه ومكانه * ما كان أغنى شأنه عن شان هاتيك قينته وذلك قصره * من بعد أيّ مقاصر وقيان ولما فقد من كان « 4 » يجالسه ، وبعد عنه من كان يؤانسه ، وتمادى كربه ، ولم تسالمه حربه ، قال : [ الطويل ] تؤمّل للنفس الشجية فرجة * وتأبى الخطوب السود إلّا تماديا لياليك في زاهيك أصفى صحبتها * كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخ * وبعد هما نسخ المنايا الأمانيا ولمّا امتدت في الثّقاف مدته ، واشتدّت عليه قسوة الكبل وشدّته ، وأقلقته همومه ، وأطبقته غمومه ، وتوالت عليه الشجون ، وطالت لياليه الجون ، قال : [ البسيط ]
--> ( 1 ) أغب أجفانهم الهجوع : أي زارهم يوما وتركهم يوما . ( 2 ) في ج : « قد كان كالثعبان قيدك في الورى » . ( 3 ) في ج ، ونسخة عند ه : « متمددا بجذاك كل تمدد » وليس بشيء . ( 4 ) كلمة « كان » ساقطة من ب .