أحمد بن محمد المقري التلمساني

137

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ومن أخبار ولادة مع ابن زيدون ما قاله الفتح في القلائد « 1 » : إنّ ابن زيدون كان يكلف بولادة ويهيم ، ويستضيء بنور محيّاها في الليل البهيم ، وكانت من الأدب والظرف ، وتتميم السمع والطرف ، بحيث تختلس القلوب والألباب ، وتعيد الشّيب إلى أخلاق الشباب ، فلمّا حل بذلك الغرب ، وانحلّ عقد صبره بيد الكرب ، فرّ إلى الزهراء ليتوارى في نواحيها ، ويتسلّى برؤية موافيها ، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده ، ونشر سوسنه وورده ، وأترع جداولها ، وأنطق بلابلها ، فارتاح ارتياح جميل « 2 » بوادي القرى ، وراح بين روض يانع وريح طيّبة السّرى ، فتشوّق إلى لقاء ولادة وحنّ ، وخاف تلك النوائب والمحن ، فكتب إليها يصف فرط قلقه ، وضيق أمده إليها وطلقه ، [ ويعلمها أنه ما سلا عنها بخمر ، ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب الجمر ] « 3 » ، ويعاتبها على إغفال تعهّده ، ويصف حسن محشره بها ومشهده : [ البسيط ] إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا * والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا وللنسيم اعتلال في أصائله * كأنما رقّ لي فاعتلّ إشفاقا « 4 » والروض عن مائه الفضّيّ مبتسم * كما حللت عن اللبّات أطواقا « 5 » يوم كأيام لذّات لنا انصرمت * بتنا لها حين نام الدهر سرّاقا نلهو بما يستميل العين من زهر * جال الندى فيه حتى مال أعناقا كأنّ أعينه إذ عاينت أرقي * بكت لما بي فجال الدمع رقراقا ورد تألّق في ضاحي منابته * فازداد منه الضّحى في العين إشراقا سرى ينافحه نيلوفر عبق * وسنان نبّه منه الصبح أحداقا « 6 » كلّ يهيج لنا ذكرى تشوّقنا * إليك ، لم يعد عنها الصدر أن ضاقا لو كان وفّى المنى في جمعنا بكم * لكان من أكرم الأيام أخلاقا لا سكّن اللّه قلبا عنّ ذكركم * فلم يطر بجناح الشوق خفاقا لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا * وافاكم بفتى أضناه ما لاقى

--> ( 1 ) القلائد ص 73 . ( 2 ) جميل : هو جميل بثينة الشاعر الغزل المعروف . ( 3 ) في ب ، ه : « ملتهب جمر » . ( 4 ) اعتلّ : أصبح عليلا ، أي طريا . ( 5 ) اللبات : جمع لبة ، وهي موضع القلادة من الصدر . ( 6 ) النيلوفر : زهر يطفو على وجه الماء .