أحمد بن محمد المقري التلمساني

65

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

قد صار عندهم عنقاء مغربة * أو مثل ما حدّثوا عن ألف مثقال فقال له المعتمد : عنقاء مغربة وألف مثقال يا عبد الجليل عندك سواء ؟ فقال : نعم ، قال : قد أمرنا لك بألف دينار وبألف دينار أخرى تنفقها . [ ابن عبد البر يفتي بجواز أكل طعام الأمراء ] وذكر القرطبي صاحب « التذكرة » في كتابه « قمع الحرص بالزهد والقناعة » ما صورته : روينا أن الإمام أبا عمر بن عبد البر ، رضي اللّه تعالى عنه ، بلغه وهو بشاطبة أنّ أقواما عابوه بأكل طعام السلطان وقبول جوائزه ، فقال : [ مجزوء الرمل ] قل لمن ينكر أكلي * لطعام الأمراء أنت من جهلك هذا * في محلّ السّفهاء لأنّ الاقتداء بالصالحين ، من الصحابة والتابعين ، وأئمّة الفتوى من المسلمين ، من السلف الماضين ، هو ملاك الدين ، فقد كان زيد بن ثابت - وكان من الراسخين في العلم - يقبل جوائز معاوية وابنه يزيد ، وكان ابن عمر ، رضي اللّه تعالى عنهما - مع ورعه وفضله - يقبل هدايا صهره المختار بن أبي عبيد ، ويأكل طعامه ، ويقبل جوائزه ، وقال عبد اللّه بن مسعود - وكان قد ملئ علما - لرجل سأله ، فقال : إنّ لي جارا يعمل بالربا ، ولا يجتنب في مكسبه الحرام ، يدعوني إلى طعامه ، أفأجيبه ؟ قال : نعم ، لك المهنأ وعليه المأثم ، ما لم تعلم الشيء بعينه حراما ، وقال عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه - حين سئل عن جوائز السلاطين - : لحم ظبي ذكي ، وكان الشعبي - وهو من كبار التابعين وعلمائهم - يؤدّب بني عبد الملك بن مروان ، ويقبل جوائزه ويأكل طعامه ، وكان إبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة والحسن البصري - مع زهده وورعه - وسائر علماء البصرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان والفقهاء السبعة بالمدينة - حاشا سعيد بن المسيّب - يقبلون جوائز السلطان ، وكان ابن شهاب يقبلها ، ويتقلّب في جوائزهم ، وكانت أكثر كسبه ، وكذلك أبو الزناد ، وكان مالك وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق يقبلون جوائز السلاطين والأمراء ، وكان سفيان الثوري - مع ورعه وفضله - يقول : جوائز السلطان أحبّ إليّ من صلة الإخوان ؛ لأنّ الإخوان يمنّون والسلطان لا يمنّ ، ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير ، وقد جمع الناس فيه أبوابا ، ولأحمد بن خالد فقيه الأندلس وعالمها في ذلك كتاب حمله على وضعه وجمعه طعن أهل بلده عليه في قبوله جوائز عبد الرحمن الناصر ، إذ نقله إلى المدينة بقرطبة ، وأسكنه دارا من دور الجامع قربه ، وأجرى عليه الرزق من الطعام والإدام والناضّ « 1 » ، وله ولمثله في بيت المال

--> ( 1 ) الإدام ، بكسر الهمزة : بزنة الكتاب : ما يؤكل من الخبز فيسهل بلعه ويطيبه . والناضّ : الدرهم والدينار .