أحمد بن محمد المقري التلمساني

6

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فأفرط بعض الحاضرين في استحسانها ، وقال : هذا ما لا يقدر أندلسي على مثله ، وبالحضرة أبو بكر يحيى بن هذيل « 1 » ، فقال بديها : [ الطويل ] عرفت بعرف الريح أين تيمّموا * وأين استقلّ الظاعنون وخيّموا خليليّ ، ردّاني إلى جانب الحمى * فلست إلى غير الحمى أتيمّم أبيت سمير الفرقدين كأنما * وسادي قتاد أو ضجيعي أرقم « 2 » وأحور وسنان الجفون كأنّه * قضيب من الريحان لدن منعّم نظرت إلى أجفانه وإلى الهوى * فأيقنت أني لست منهنّ أسلم كما أنّ إبراهيم أوّل نظرة * رأى في الدرّاري أنه سوف يسقم « 3 » [ ابن بسام والحجاري يذكران محاسن الأندلس والأندلسيين ] ومن كلام ابن بسام صاحب « الذخيرة » في جزيرة الأندلس : أشراف عرب المشرق افتتحوها ، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها ، فبقي النسل فيها بكلّ إقليم ، على عرق كريم ، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر ، وشاعر قاهر . وذكر أن أبا علي البغدادي ، صاحب الأمالي ، الوافد على الأندلس في زمان بني مروان قال : لمّا وصلت القيروان وأنا أعتبر من أمرّ به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات وقلّة الفهم ، بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد ، كأنّ منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصّة ومقايسة . قال أبو علي : فقلت إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمّن قبلهم فسأحتاج إلى ترجمان ، في هذه الأوطان . قال ابن بسام : فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجّب من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم ، ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمناقشة « 4 » ، ويقول لهم : إنّ علمي علم رواية ، وليس علم « 5 » دراية ، فخذوا عنّي ما نقلت ، فلم آل لكم أن صحّحت . هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات ، والأخذ عن الثقات ، انتهى . ومن كلام الحجاريّ في « المسهب » د :

--> ( 1 ) كذا في أ ، ب ، ج . وفي ه : « أبو بكر بن يحيى بن هذيل » . ( 2 ) القتاد : شجر صلب له شوك كالإبر . ( 3 ) يشير إلى ما حكاه اللّه تعالى عن الخليل إبراهيم عليه السلام في قوله : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ . سورة الصافات الآية : 89 . والدراري في البيت بمعنى النجوم . ( 4 ) في ب ، ه « المباحثة والمفاتشة » . ( 5 ) في ب ، ه : « وليس بعلم دراية » .