أحمد بن محمد المقري التلمساني
416
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
رمزا ، ولا يخاطبون إلّا إيماء فلا تسمع لهم ركزا ، فكلّم فيه خصما له كلاما استطال به عليه لفضل بيانه ، وطلاقة لسانه ، ففارق عادة المجلس في رفض الأنفه ، وخفض الحجّة المؤتنفة ، وهزّ عطفه وحسر عن ساعده ، وأشار بيده ، مادا بها لوجه خصمه ، خارجا عن حدّ المجلس ورسمه ، فهمّ الأعوان بتقويمه وتثقيفه ، ووزعهم رهبة منه وخشية ، حتى تناوله القاضي بنفسه ، وقال له : مهلا ، عافاك اللّه ، اخفض صوتك ، واقبض يدك ، ولا تفارق مركزك ، ولا تعد حقّك ، وأقصر عن إدلالك ، فقال له : مهلا يا قاضي ، أمن المخدّرات أنا فأخفض صوتي وأستر يدي « 1 » ، وأغطي معاصمي لديك ؟ أم من الأنبياء أنت فلا يجهر بالقول عندك ؟ وذلك لم يجعله اللّه تعالى إلّا لرسوله عليه الصلاة والسلام ، لقول اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [ سورة الحجرات ، الآية : 2 ] - إلى قوله : تَشْعُرُونَ [ سورة الحجرات ، الآية : 2 ] ولست به ولا كرامة ، وقد ذكر اللّه تعالى أنّ النفوس تجادل في القيامة في موقف الهول الذي لا يعدله مقام ، ولا يشبه انتقامه انتقام ، فقال تعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [ سورة النحل ، الآية : 111 ] - إلى قوله تعالى : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ سورة النحل ، الآية : 111 ] لقد تعديت طورك ، وعلوت في منزلك ، وإنما البيان ، بعبارة اللسان ، وبالنطق يستبين الحقّ من الباطل ، ولا بدّ في الخصام ، من إفصاح الكلام . وقام وانصرف . فبهت القاضي ، ولم يحر جوابا ، وكان في الدولة صدرا من أعيانها ، وناسق درر تبيانها ، نفق « 2 » في سوقها وصنّف ، وقرّط محاسنها وشنّف ، وله الكتاب الرائق ، المسمّى بالحدائق ، وأدركه في الدولة سعي ، ورفض له فيها الرّعي ، واعتقله الخليفة وأوثقه في مكان أخيه فلم يومض له عفو ، ولم يشبّ كدر حاله صفو ، حتى قضى معتقلا ، ونعي للنائبات نعيا مثكلا ، وله في السجن أشعار كثيرة ، وأقوال مبدعات منيرة ، فمن ذلك ما أنشده ابن حزم يصف خيالا طرقه ، بعد ما أسهره الوجد وأرّقه : [ الوافر ] بأيّهما أنا في الشّكر بادي * بشكر الطّيف أم شكر الرقاد « 3 » سرى وازداد في أملي ولكن * عففت فلم أجد منه مرادي وما في النوم من حرج ولكن * جريت من العفاف على اعتيادي [ أبو عبد اللّه محمد بن الحداد : ترجمته وبعض شعره ] وقال الشاعر المشهور أبو عبد اللّه محمد بن الحدّاد « 4 » : [ البسيط ] يا غائبا ، خطرات القلب محضره * الصّبر بعدك شيء لست أقدره
--> ( 1 ) في ه : « ولا أشير بيدي » . ( 2 ) في ب : « ونفق في سوقها » . ( 3 ) في ه : « بأيهما أنا في الشكر نادي » والرقاد : النوم . ( 4 ) انظر المطمح ص 80 - 83 .