أحمد بن محمد المقري التلمساني

405

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

والرمادي المذكور عرّف به غير واحد ، منهم الحافظ أبو عبد اللّه الحميدي في كتابه « جذوة المقتبس » وقال « 1 » : أظن أن أحد آبائه كان من أهل الرمادة وهي موضع بالمغرب ، وهو قرطبي ، كثير الشعر ، سريع القول ، مشهور عند الخاصّة والعامة هنالك ، لسلوكه في فنون من المنظوم والمنثور مسالك ، حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون : فتح الشعر بكندة ، وختم بكندة ، يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هارون ، على أنّ في كون المتنبي من كندة القبيلة كلاما مشهورا « 2 » . وأخذ أبو عمر بن عبد البر عن الرمادي هذا قطعة من شعره ، وضمّنها بعض تأليفه . قال ابن حيان : توفي الرمادي سنة 403 « 3 » ، وذكر ابن سعيد في « المغرب » أن الرمادي اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس ، وهو القائل رحمه اللّه تعالى : [ الخفيف ] لا تلمني على الوقوف بدار * أهلها صيّروا السقام ضجيعي جعلوا لي إلى هواهم سبيلا * ثم سدّوا عليّ باب الرجوع وروى الرمادي عن أبي عليّ كتاب « النوادر » ومدح أبا علي بقصيدة كما أشرنا إليه في غير هذا الموضع . وقال في المطمح « 4 » : إنه شاعر مفلق ، انفرج له من الصناعة المغلق ، وومض له برقها المؤتلق . وسال بها طبعه كالماء المندفق ، فأجمع على تفضيله المختلف والمتّفق ، فتارة يحزن وأخرى يسهل ، وفي كلتاهما « 5 » بالبديع يعلّ وينهل ، فاشتهر عند الخاصّة والعامّة بانطباعه في الفريقين ، وإبداعه في الطريقين ، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين ، وعلى الصناعة متغايرين ، وكلاهما من كندة ، وما منها إلّا من اقتدح في الإحسان زنده ، وتمادى بأبي عمر « 6 » ، طلق العمر ، حتى أفرده صاحبه ونديمه ، وهريق شبابه واستشن أديمه ، ففارق تلك الأيام وبهجتها ، وأدرك الفتنة فخاض لجّتها ، وأقام فرقا « 7 » من هيجانها شرقا بأشجانها ، ولحقته فيها فاقة

--> ( 1 ) انظر الجذوة ص 346 . ( 2 ) وخلاصة ذلك أن المتنبي نسب إلى كندة - حي من أحياء الوكوفة - لا إلى قبيلة كندة . ( 3 ) في ه : « سنة 413 » . ( 4 ) انظر المطمح ص 69 . ( 5 ) في ب : « وفي كلتيهما » . ( 6 ) في ج : « بأبي عمرو » . ( 7 ) فرقا من هيجانها : خوفا من هيجانها .