أحمد بن محمد المقري التلمساني

37

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وللّه درّ محمد بن سفر أحد شعرائنا المتأخّرين عصرا ، المتقدّمين قدرا ، حيث نقل السعي إلى محبوبته فقال وليته لم يزل يقول مثل هذا ، فبمثله ينبغي أن يتكلّم ، ومثله يليق أن يدوّن : [ الطويل ] وواعدتها والشمس تجنح للنوى * بزورتها شمسا وبدر الدجى يسري فجاءت كما يمشي سنا الصبح في الدجى * وطورا كما مرّ النسيم على النهر عطّرت الآفاق حولي فأشعرت * بمقدمها والعرف يشعر بالزهر فتابعت بالتقبيل آثار سعيها * كما يتقصّى قارىء أحرف السطر فبتّ بها والليل قد نام والهوى * تنبّه بين الغصن والحقف والبدر « 1 » أعانقها طورا وألثم تارة * إلى أن دعتنا للنوى راية الفجر ففضّت عقودا للتعانق بيننا * فيا ليلة القدر اتركي ساعة النفر « 2 » وهل منكم من قيّد بالإحسان فأطلق لسانه الشكر ، فقال وهو ابن اللّبّانة : [ الطويل ] بنفسي وأهلي جيرة ما استعنتهم * على الدهر إلّا وانثنيت معانا أراشوا جناحي ثم بلّوه بالندى * فلم أستطع من أرضهم طيرانا ومن يقول وقد قطع عنه ممدوحه ما كان يعتاده منه من الإحسان ، فقابل ذلك بقطع مدحه له ، فبلغه أنه عتبه على ذلك ، وهو ابن وضّاح : [ الكامل ] هل كنت إلّا طائرا بثنائكم * في دوح مجدكم أقوم وأقعد إن تسلبوني ريشكم وتقلّصوا * عنّي ظلالكم فكيف أغرّد وهل منكم شاعر رأى الناس قد ضجّوا من سماع تشبيه الثغر بالأقاح ، وتشبيه الزهر بالنجوم ، وتشبيه الخدود بالشقائق ، فتلطّف لذلك في أن يأتي به في منزع يصيّر خلقه في الأسماع جديدا ، وكليله في الأفكار حديدا ، فأغرب أحسن إغراب ، وأعرب عن فهمه بحسن تخيّله أنبل إعراب ، وهو ابن الزقاق : [ المنسرح ] وأغيد طاف بالكؤوس ضحى * وحثّها والصباح قد وضحا والروض أهدى لنا شقائقه * وآسه العنبريّ قد نفحا

--> ( 1 ) الحقف : ما استطال واعوجّ من الرمل . ( 2 ) النّفر : الإسراع إلى أمر ، وهو الهجران .