أحمد بن محمد المقري التلمساني

346

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

لأحد خدّامه : ما ترى أن ندفع لهذا التاجر عوضا عن هذه الجارية التي وقعت منّا أحسن موقع ؟ فقال : تقدّر ما تساوي من الثمن وتدفع له بقدرها ، فقوّمت بخمسمائة دينار ، فقال المنذر للخديم : ما عندك فيما ندفع له ؟ فقال : الخمسمائة ، فقال : إن هذا للؤم ، رجل أهدى لنا جارية ، فوقعت منّا موقع استحسان ، نقابله بثمنها ، ولو أنه باعها من يهودي لوجد عنده هذا ، فقال له : إن هؤلاء التجار لؤماء بخلاء ، وأقلّ القليل يقنعهم ، فقال : وإنّا كرماء سمحاء ، فلا يقنعنا القليل لمن نجود عليه ، فادفع له ألف دينار ، واشكره على كونه خصّنا بها ، وأعلمه بأنها وقعت منّا موقع رضا . وفيها يقول : [ المنسرح ] ليس يفيد السرور والطرب * إن لم تقابل لواحظي طرب أبهت في الكأس لست أشربها * والفكر بين الضلوع يلتهب « 1 » يعجب مني معاشر جهلوا * ولو رأوا حسنها لما عجبوا وقال له أبوه يوما : إنّ فيك لتيها مفرطا ، فقال له : حقّ لفرع أنت أصله أن يعلو ، فقال له : يا بنيّ ، إن العيون تمجّ التّيّاه « 2 » ، والقلوب تنفر عنه « 3 » ، فقال : يا أبي ، لي من العزّ والنسب وعلوّ المكان والسلطان ما يجمّل عن ذلك ، وإني لم أر العيون إلّا مقبلة عليّ ، ولا الأسماع إلّا مصغية إليّ ، وإنّ لهذا السلطان رونقا يرنّقه « 4 » التبذل ، وعلوا يخفضه الانبساط ، ولا يصونه ويشرفه إلّا التيه والانقباض ، وإنّ هؤلاء الأنذال لهم ميزان يسبرون « 5 » به الرجل منّا ، فإن رأوه راجحا عرفوا له قدر رجاحته ، وإن رأوه ناقصا عاملوه بنقصه ، وصيّروا تواضعه صغرا ، وتخضّعه خسّة ، فقال له أبوه : للّه أنت ! فابق وما رأيت . [ المطرف بن عبد الرحمن الأوسط ] وكان له أخ أديب أيضا اسمه المطرف بن عبد الرحمن الأوسط ، ومن شعره : [ المجتث ] أفنيت عمري في الشّر * ب والوجوه الملاح ولم أضيّع أصيلا * ولا اطلاع صباح

--> ( 1 ) أبهت : أدهش ، أتحيّر . ( 2 ) في ب ، ه : « تمج التائه » والتياه : صيغة مبالغة من اسم الفاعل تائه على وزن فعّال ، أي كثير التيه والعجب . ( 3 ) في ه : « تنحرف عنه » . ( 4 ) يرنقه : يكدره . ( 5 ) يسبرون الرجل منا : يخبرونه ليعرفوا عمقه ، ومنه : سبر الجرح .