أحمد بن محمد المقري التلمساني
345
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وترى كأنك لم تر ، وقد قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « لو تكاشفتم ما تدافنتم » ، واعلم أنك أقرب الناس إليّ وأحبّهم فيّ ، وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكار عليّ ، وسخط لما أفعله في جانبك أو جانب غيرك ، مما « 1 » لو أطلعني اللّه تعالى عليه لساءني ، لكن الحمد للّه الذي حفظ ما بين القلوب بستر بعضها عن بعض فيما يجول فيها ، وإنك لذو همّة ومطمح ، ومن يكن هكذا يصبر ويغض ويحمل ، ويبدل العقاب بالثواب ، ويصير الأعداء من قبيل الأصحاب ، ويصبر من الشخص على ما يسوء ، فقد يرى منه بعد ذلك ما يسر ، ولقد يخف عليّ اليوم من قاسيت من فعله وقوله ، ما لو قطعتهم « 2 » عضوا عضوا لما ارتكبوه مني ما شفيت منهم غيظي « 3 » ، ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال ، لا سيما عند الاقتدار ، أولى ، ونظرت إلى جميع من حولي ممّن يحسن ويسيء فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض ، ونظرت إلى المسئ يعود محسنا ، والمحسن يعود مسيئا ، وصرت أندم على من سبق له منه عقاب ، ولا أندم على من سبق له مني ثواب ، فالزم يا بنيّ معالي الأمور ، وإن جماعها في التغاضي ، ومن لا يتغاضى لا يسلم له صاحب ، ولا يقرب منه جانب ، ولا ينال ما تترقى إليه همّته ، ولا يظفر بأمله ، ولا يجد معينا حين يحتاج إليه ، فقبّل المنذر يده ، وانصرف ، ولم يزل يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلق بالخلق الجميل ، وبلغ ما أوصاه به أبوه ، ورفع قدره . [ من شعر المنذر بن عبد الرحمن ومن كرم نفس المنذر بن عبد الرحمن ] ومن شعره في ابن عمّ له : [ الطويل ] ومولى أبى إلّا أذاي وإنني * لأحلم عنه وهو بالجهل يقصد توددته فازداد بعدا وبغضة * وهل نافع عند الحسود التودّد وقوله : [ المجتث ] خالف عدوّك فيما * أتاك فيه لينصح فإنما يبتغي أن * تنام عنه فيربح « 4 » ومن كرم نفسه أنّ أحد التجار أهدى له جارية بارعة الحسن ، واسمها طرب ، ولها صنعة في الغناء حسنة ، فعندما وقع بصره على حسنها ثم أذنه على غنائها أخذت بمجامع قلبه ، فقال
--> ( 1 ) في ب ، ه : « ما لو أطلعني اللّه عليه » . ( 2 ) في ب : « ولو قطعتهم » . ( 3 ) في ب ، ه : « ما شفيت فيهم غيظي » . ( 4 ) في ب ، ه : فإنما ينبغي أن * تنام عنه فتربح