أحمد بن محمد المقري التلمساني
339
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
لا يرام ، قد نصب خيامه بالبراح ، ولم يتّخذ سورا غير سمر القنا وبيض الصّفاح ، له من العزم ردء ومن الحزم كمين « 1 » : [ الوافر ] إذا صدق الحسام ومنتضيه * فكلّ قرارة حصن حصين « 2 » وهو من القوم الذين لا يجورون على جار ، ولا يرحلون بخزية ولا يتركون من عار ، دينهم دين التقوى ، وإن كنت من ذلك في شكّ فأقدم علينا حتى يصحّ لك اختبار الذهب بالسّبك ، وأنت بالخيار في الظعن والإقامة ، فإن حللت نزلت خير منزل ، وإن رحلت ودّعت أفضل وداع ، وسرت في كنف السلامة ، إذ قد شهرنا بأنّا لا نقيّد إلّا بالإحسان ، وأن ندع لاختياره كل إنسان . [ من كرم الأندلسيين ومن شعر أبي العرب الصقلي ] ومن حكايات أهل الأندلس في الجود والفضل ومكارم الأخلاق « 3 » : أنّ أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد ، فأدخلت عليه جملة من دنانير السّكّة ، فيمر له بخريطتين منها ، وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصّع بنفيس الدّرّ ، فقال أبو العرب : ما يحمل هذه الدنانير إلّا جمل ، فتبسّم المعتمد وأمر له به ، فقال : [ البسيط ] أعطيتني جملا جونا شفعت به * حملا من الفضّة البيضاء لو حملا « 4 » نتاج جودك في أعطان مكرمة * لا قدّ تعرف من منع ولا عقلا « 5 » فاعجب لشأني فشأني كلّه عجب * رفّهتني فحملت الحمل والجملا ومن نظم أبي العرب المذكور : [ الطويل ] إلام اتّباعي للأماني الكواذب * وهذا طريق المجد بادي المذاهب أهمّ ولي عزمان : عزم مشرّق * وآخر يثني همّتي للمغارب ولا بدّ لي أن أسأل العيس حاجة * تشقّ على أخفافها والغوارب « 6 » إذا كان أصلي من تراب فكلّها * بلادي وكلّ العالمين أقاربي وذكر الحافظ الحجاري في « المسهب » أنه سأل عمّه أبا محمد عبد اللّه بن إبراهيم « 7 » عن
--> ( 1 ) في ب : « له من العزم ردء ، ومن الرأي كمين » . وفي ه : « له من الحزم رداء ، ومن الرأي كمين » . ( 2 ) منتضيه : اسم فاعل من انتضى . وانتضى السيف : أخرجه من غمده . ( 3 ) انظر بدائع البداءة ج 2 ص 136 . ( 4 ) في البدائع « أجديتني جملا » . ( 5 ) في ج : « لا قد تصرّف من منع ولا عقلا » . ( 6 ) العيس : النوق . ( 7 ) انظر ترجمته في المغرب ج 2 ص 34 .