أحمد بن محمد المقري التلمساني
333
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
يا أبا محمد ، تقدّم ، فقال : معاذ اللّه أن أسيء الأدب بالتقدّم على أميري ، فقال : فإن كان كذلك فتأخّر مع الخيل ، فقال : مثلي لا يزال على « 1 » ركابك في مثل هذه المواضع ، فقال له : فقد واللّه أهلكتني بما ترمي يدا فرسك عليّ من الطين ، فقال : أعزّ اللّه الأمير « 2 » ! فو اللّه ما علمت أنّ يد فرسي تصل إلى عنقك ، فضحك ابن عكاشة حتى كاد يسقط عن مركوبه . [ بين المقتدر وغلام نشأ عنده ] وكان بسرقسطة غلام اسمه يحيى بن يطفت من بني يفرن ، قد نشأ عند ملكها المقتدر بن هود ، وتخلّق بالركوب والأدب ، وكان في غاية الجمال والحلاوة والظّرف فعلق بقلب ابن هود ، وكتم حبّه زمانا فلم ينكتم ، فكتب له : [ المجتث ] يا ظبي ، بالله قل لي * متى ترى في حبالي يمرّ عمري وحالي * من خيبتي منك خالي « 3 » فكتب له الغلام في ظهر الرقعة : [ المجتث ] إن كنت ظبيا فأنت ال * هزبر تبغي اغتيالي وليس يخطر يوما * حلول غيل ببالي « 4 » ثم كتب بعدهما : هذا ما اقتضاه حكم الجواب في النظم ، وأنا بعد قد جعلت رسني بيد سيدي ، فعسى أن يقودني إلى ما أحبّ ، لا ما أكره ، والذي أحبّه أن يكون بيننا من المحبة ما يقضي بدوام الإخلاص ، ونأمن في مغبّته من العار والقصاص ، فتركه مدة ، ثم كتب له يوما على الصورة التي ذكرها : [ الكامل ] ما ذا ترى في يوم أمن طرّزت * حلل السّحاب به البروق المذهبه وأنا وكاسي لا جليس غيره * ملآن لا يخلو إلى أن تشربه والأنس إن يسّرته متيسّر * ومتى تصعّبه فيا ما أصعبه فأجابه : [ الكامل ] يا مالكا بذّ الملوك بعلمه * وخلاله وعلوّه في المرتبة « 5 » وافى نداك فحرت عند جوابه * إذ ما تضمّن ريبة مستغربه إنّا إذا نخلو ، تقوّل حاسد * وغدا بهذا الأمر ينصر مذهبه
--> ( 1 ) في ب ، ه : « لا يزال عن ركابك » . ( 2 ) في ب ، ه : « أعز اللّه الأمير ، يعذرني » . ( 3 ) في ب : « في خيبتي منك خالي » . ( 4 ) الغيل : موضع الأسد . ( 5 ) بذّ : تفوق وغلب .