أحمد بن محمد المقري التلمساني

332

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

من علمه بشأن هذا الحصن الذي لو أنه القسطنطينية العظمى ما زاد عن عظمه « 1 » وهوله شيئا ؟ ولو أنّ حقيرا يخفى عن علم اللّه تعالى لخفي عنه هذا الحصن ! ناهيك عن صخرة حيث لا ماء ولا مرعى ، منقطع عن بلاد الإسلام ، خارج عن سلك النظام ، لا يعبره إلّا لصّ فاجر ، أو قاطع طريق غير متظاهر ، حرّاسه لا يتجاوزون الخمسين ، ولا يرون خبز البر عندهم إلّا في بعض السنين ، باعه أحدهم بعشرين دينارا ، ولعمري إنه لم يغبن في بيعه ولا ربح أرباب ابتياعه ، وأراح من الشين بنسبته والنظر في خداعه ، فليت شعري ما الذي عظمه في عين هذا الجاهل ، حتى خطب في أمره بما لم يخطب به في حرب وائل « 2 » ؟ فلمّا وقف حريز على الكتاب كتب لابن ذي النون جوابا منه : وإنّ المذكور ممّن له حرمة قديمة ، تغنيه عن أن يمتّ بسواها ، وخدمة محمود أولاها وأخراها ، ولسنا ممّن اتّسعت مملكته ، وعظمت حضرته ، فنحتاج إلى انتقاء الكتّاب ، والتحفّظ في الخطاب ، وإنما نحن أحلاس ثغور « 3 » ، وكتّاب كتائب « 4 » لا سطور ، وإن كان الكاتب المذكور لا يحسن فيما يلقيه على القلم ، فإنه يحسن كيف يصنع في مواطن الكرم ، وله الوفاء الذي تحدّث به فلان وفلان ، بل سارت بشأنه في أقصى البلاد الرّكبان ، وليس ذلك يقدح عندنا فيه ، بل زاده لكونه دالّا على صحّة الباطن والسذاجة في الإكرام والتنويه ، انتهى . ولهذا الكاتب شعر يسقط فيه سقوط الأغبياء ، وقد يتنبّه فيه تنبّه الأذكياء ، فمنه قوله من قصيدة يمدح حريزا المذكور مطلعها : [ المتقارب ] يذكّرني بهم العنبر * وظلم ثناياهم سكّر إلى أن قال : ولولا معاليك يا ذا النّدى * لما كان في الأرض من يشعر فلا تنكرنّ زحاما على * ذراك وفي كفّك الكوثر ومشى في موكبه وهم في سفر ، وكان في فصل المطر والطين ، فجعل فرسه في ذنب فرس ابن عكّاشة ، فلمّا أثارت يدا فرسه طينا جاء في عنق أميره ، ففطن لذلك الأمير ، فقال له :

--> ( 1 ) في ه : « ما زاد على عظمه » . ( 2 ) أراد حرب البسوس التي دارت رحاها بين بكر وتغلب في الجاهلية وبقيت زمنا طويلا . ( 3 ) أحلاس ثغور : أحلاس : جمع حلس وهو الملازم للشيء والشجاع ، وكلام المعنيين وارد هنا . والثغور : جمع ثغر وهو المدينة المحصنة على الحدود يرابط بها الجيش تجاه العدو . ( 4 ) الكتائب : جمع كتيبة ، وهي الفرقة من الجيش .