أحمد بن محمد المقري التلمساني

322

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وفلكها ، مع اشتهار في اللغة والآداب ، وانخراط في سلك الشعراء والكتّاب ، وإبداع لما ألّف ، وانتهاض بما تكلّف ، ودخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف ، وعليه معتكف ، فخرج وعمل على مثاله كتابا سماه ربيعة وعقيل » جرّد له من ذهنه أيّ سيف صقيل ، وأتى به منتسخا مصوّرا في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى ، وأبرزه والحسن يتبسّم عنه ويتفرّى « 1 » ، فسرّ به المنصور وأعجب ، ولم يغب عن بصره ساعة ولا حجب ، وكان له بعد هذه المدة حين أدجت الفتنة ليلها وأزجت إبلها وخيلها ، اغتراب كاغتراب الحارث بن مضاض ، واضطراب بين القواني والمواضي « 2 » ، كالحيّة النضناض « 3 » ، ثم اشتهر بعد ، وافترّ له السعد ، وفي تلك المدة يقول يتشوّق إلى أهله : [ الطويل ] سقى بلدا أهلي به وأقاربي * غواد بأثقال الحيا وروائح « 4 » وهبّت عليهم بالعشي وبالضحى * نواسم برد والظّلال فوائح تذكرتهم والنأي قد حال دونهم * ولم أنس لكن أوقد القلب لافح « 5 » وممّا شجاني هاتف فوق أيكة * ينوح ولم يعلم بما هو نائح فقلت اتّئد يكفيك أني نازح * وأنّ الذي أهواه عني نازح « 6 » ولي صبية مثل الفراخ بقفرة * مضى حاضناها فاطّحتها الطوائح « 7 » إذا عصفت ريح أقامت رؤوسها * فلم يلقها إلّا طيور بوارح فمن لصغار بعد فقد أبيهم * سوى سانح في الدهر لو عنّ سانح واستوزره المستظهر عبد الرحمن بن هشام أيام الفتنة فلم يرض بالحال ، ولم يمض في ذلك الانتحال ، وتثاقل عن الحضور في كل وقت ، وتغافل في ترك الغرور بذلك المقت ، وكان المستظهر يستبدّ بأكثر تلك الأمور دونه ، وينفرد مغيّبا عنه شؤونه ، فكتب إليه : [ الطويل ] إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل * فسيّان منّي مشهد ومغيب

--> ( 1 ) تفرّى الليل عن صبحه : انشقّ وبدا الصبح ، وفيه استعارة . ( 2 ) في ب : « بين القواني والمواضي » . والقواني جمع قناة على غير القياس . ( 3 ) الحية النضناض التي تحرك لسانها ولا تستقر بمكان . ( 4 ) الغوادي : الغيوم . والحيا : المطر . ( 5 ) لافح : هنا النار . ( 6 ) اتئد : تمهّل . والنازح : البعيد . ( 7 ) كذا في أ ، ب ، ه . وفي ج « متى خاضتا فيها طحتها الطوائح » وفي المطمح « حتى حضناها طوّحتها الطوائح » .