أحمد بن محمد المقري التلمساني

28

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أمّا بعد ؛ فإنه حرّك منّي ساكنا ، وملأ مني فارغا ، فخرجت عن سجيتي في الإغضاء ، مكرها إلى الحميّة والإباء ، منازع « 1 » في فضل الأندلس أراد أن يخرق الإجماع ، ويأتي بما لم تقبله « 2 » النواظر والأسماع ، إذ من رأى ومن سمع لا يجوز عنده ذلك ، ولا يضلّه من تاه في تلك المسالك ، رام أن يفضل برّ العدوة على برّ الأندلس فرام أن يفضل على اليمين اليسار ، ويقول : الليل أضوأ من النهار ، فيا عجبا كيف قابل العوالي بالزّجاج « 3 » ، وصادم الصّفاة بالزّجاج ، فيا من نفخ في غير ضرم ، ورام صيد البزاة بالرخم ، وكيف تتكثر بما جعله اللّه قليلا ، وتتعزّز بما حكم اللّه أن يكون ذليلا ؟ ما هذه المباهتة التي لا تجوز ؟ وكيف تبدي أمام الفتاة العجوز ؟ سل العيون إلى وجه من تميل ؟ واستخبر الأسماع إلى حديث من تصغي « 4 » ؟ : [ الطويل ] لشتّان ما بين اليزيدين في الندى * يزيد سليم والأغرّ بن حاتم اقن حياءك أيها المغرّد بالنحيب « 5 » ، المتزيّن بالخلف المتحبّب إلى الغواني بالمشيب الخضيب ، أين عزب عقلك ؟ وكيف نكص « 6 » على عقبه فهمك ولبّك ؟ أبلغت العصبية من قلبك ، أن تطمس على نوري بصرك ولبّك ؟ أما قولك « الملوك منّا » فقد كان الملوك منّا أيضا ، وما نحن إلّا كما قال الشاعر : [ المتقارب ] فيوم علينا ويوم لنا * ويوم نساء ويوم نسرّ إن كان الآن كرسيّ جميع بلاد المغرب عندكم بخلافة بني عبد المؤمن - أدامها اللّه تعالى ! - فقد كان عندنا بخلافة القرشيين الذين يقول فيهم « 7 » مشرقيهم : [ الطويل ] وإنّي من قوم كرام أعزّة * لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر خلائف في الإسلام في الشّرك قادة * بهم وإليهم فخر كلّ مفاخر ويقول مغربيهم : ألسنا بني مروان كيف تبدّلت * بنا الحال أو دارت علينا الدوائر

--> ( 1 ) « منازع » بالرفع لأنه فاعل حرك في قوله : « حرك مني ساكنا » . ( 2 ) في ب ، ه : « لا تقبله » . ( 3 ) العوالي : جمع عالية ، وهي أعلى القناة من الرمح . والزجاج : جمع زج ، وهو الحديدة التي في أسفل الرمح . ( 4 ) البيت لربيعة بن ثابت الرقي يهجو يزيد السلمي ويفضل يزيد الأزدي . انظر الأغاني ج 16 ص 189 . ( 5 ) في ه : « أيها المفرد بالنحيب » . ( 6 ) نكص : رجع إلى خلف ، وأحجم عن الأمر . ( 7 ) « فيهم » ساقطة من ب .