أحمد بن محمد المقري التلمساني

278

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الخبر ، فانغمسنا في النعيم ، انغماس عرف الزهر في النسيم « 1 » ، ومرّ لنا يوم غضّ الدهر عنه جفنه ، حتى حسبناه عنوانا لما وعد اللّه تعالى به في الجنّة . [ بين ابن نزار وابن سعيد والكتندي ] وشرب يوما مع أبي جعفر بن سعيد والكتندي الشاعر في جنة بزاوية غرناطة ، وفيها صهريج ماء قد أحدق به شجر نارنج وليمون وغير ذلك من الأشجار ، وعليه أنبوب ماء تتحرّك به صورة جارية راقصة بسيوف وطيفور رخام يصنع في أنبوبة الماء صورة خباء ، فقالوا : نقتسم « 2 » هذه الأوصاف الثلاثة ، فقال أبو جعفر يصف الراقصة : [ الطويل ] وراقصة ليست تحرّك دون أن * يحرّكها سيف من الماء مصلت يدور بها كرها فتنضى صوارما * عليه فلا تعيا ولا هو يبهت « 3 » إذا هي دارت سرعة خلت أنها * إلى كلّ وجه في الرياض تلفّت « 4 » وقال ابن نزار في خباء الماء : [ الطويل ] رأيت خباء الماء ترسل ماءها * فنازعها هبّ الرياح رداءها تطاوعه طورا وتعصيه تارة * كراقصة حلّت وضمّت قباءها وقد قابلت خير الأنام فلم تزل * لديه من العلياء تبدي حياءها إذا أرسلت جودا أمام يمينه * أبي العدل إلّا أن يردّ إباءها وقد قيل : إنّ هذه الأبيات صنعها بمحضر الأمير أبي عبد اللّه بن مردنيش ملك شرق الأندلس ، وإنه لمّا ألجأته الضرورة أن يرتجل في مثل ذلك شيئا ، وكانت هذه عنده معدّة ، فزعم أنه ارتجلها ، قال أبو عمر بن سعيد « 5 » : وهذا هو الصحيح ، فإنه ما كانت عادته أن يخاطب عمي أبا جعفر بخير الأنام ؛ فإنّ كلّ واحد منهما كفؤ الآخر . وقال الكتندي : [ الوافر ] وصهريج تخال به لجينا * يذاب وقد يذهّبه الأصيل « 6 » كأنّ الروض يعشقه فمنه * على أرجائه ظلّ ظليل

--> ( 1 ) العرف - بفتح العين وسكون الراء - الرائحة الطيبة . ( 2 ) في ه : « نتقسّم » . ( 3 ) لا تعيا : لا تتعب . ( 4 ) خلت : حسبت . وتلفّت : تتلفّت ، حذف إحدى التاءين . ( 5 ) في ب : « أبو عمرو بن سعيد » . ( 6 ) اللجين : الفضة .