أحمد بن محمد المقري التلمساني

148

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

لكن قناديل الهوى * في نور رشدي كالحمم قال : فو اللّه لقد أدركني فوق ما أدركه ، وغلب على خاطري بما سمعت من هذه الأبيات ، وفعلت بي من الموعظة غاية لم أجد منها التخلّص إلّا بعد حين ، فقال لي الشيخ : إنّ هذه يقظة يرجى معها خيرك ، واللّه مرشدك ومنقذك ، ثم قال لي : يا بني ، هذا ما نحن بسبيله الآن ، فاسمع فيما مضى واللّه وليّ المغفرة ، وإنّا لنرجو منه غفران الفعل ، فكيف القول ، وأنشد : [ المتقارب ] أطلّ عذار على خدّه * فظنّوا سلوّي عن مذهبي وقالوا غراب لوشك النّوى * فقلت اكتسى البدر بالغيهب « 1 » وناديت قلبي أين المسير * وبدر الدّجى حلّ بالعقرب « 2 » فقال ولو رمت عن حبّه * رحيلا عصيت ولم أذهب قال : فسمعت منه « 3 » ما يقصر عنه صدور الشعراء ، وشهدت له بالتقدّم ، وقلت له : لم أر أحسن من نظمك في جدّ ولا هزل ، ثم قلت له : أأرويه عنك ؟ فقال : نعم ، ما أرى به بأسا بعد اطلاع من يعلم السرائر ، على ما في الضمائر ، فما قدر هذه الفكاهة في إغضاء « 4 » من يغفر الكبائر ؟ ويغضي عن العظائم ؟ قال : فقلت له : فإن أسبغت عليّ النعمة بزيادة شيء من هذا الفن فعلت ما تملك به قلبي آخر الدهر ، فقال : يا بني ، لا ملك قلبك غير حبّ اللّه تعالى ! ثم قال : ولا أجمع عليك ردّ قول ومنعا « 5 » ، وأنشد : [ مجزوء الخفيف ] أيها الشادن الذي * حسنه في الورى غريب « 6 » لحظ ذاك الجمال يط * فىء ما بي من اللهيب وعليه أحوم ده * ري ولكنّني أخيب كلّما رمت زورة * قيّض اللّه لي رقيب قال : فمازج قلبي من الرقّة واللطافة لهذا الشعر ما أعجز عن التعبير عنه ، فقلت له : زدني زادك اللّه تعالى خيرا ، فأنشدني : [ البسيط ] ما كان قلبي يدري قدر حبّكم * حتى بعدتم فلم يقدر على الجلد

--> ( 1 ) الغيهب : الظلمة ، جمعه : غياهب . ( 2 ) العقرب : برج في السماء . ( 3 ) في ب : « فسمعت ما يقصر » . ( 4 ) في ه : « وفي إحصاء من يغفر الكبائر » . ( 5 ) في ه : « قول ومعنى » محرفا . ( 6 ) الشادن : ولد الغزال .