أحمد بن محمد المقري التلمساني

139

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

[ ابن عمار وابن معيشة الكناني وأيضا ابن عمار وغلام لابن هود ] وقال أبو العرب بن معيشة الكناني السبتي : أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد ، وكان عليه من أثر كبر السنّ ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق ، وينطق بأنّ قوله الحقّ ، قال : كنت في صباي حسن الصورة ، بديع الخلقة ، لا تلمحني عين أحد إلّا ملكت قلبه ، وخلبت خلبه « 1 » ، وسلبت لبّه ، وأطلت كربه ، فبينا أنا واقف على باب دارنا إذا بالوزير أبي بكر بن عمار قد أقبل في موكب زجل « 2 » ، على فرس كالصخرة الصّمّاء قدّت من قنّة « 3 » الجبل ، فحين حاذاني ورآني اشرأبّ إليّ ينظرني وبهت يتأمّلني ، ثم دفع بمخصرة كانت بيده في صدري ، وأنشد : [ مجزوء الكامل ] كفّ هذا النّهد عنّي * فبقلبي منه جرح هو في صدرك نهد * وهو في صدري رمح وعبر في « البدائع » على طريقة القلائد بما صورته : ذكر الفتح بن خاقان ما هذا معناه : أخبرني ذو الوزارتين أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجوّ فيه أشقر برقه ، ورمى بنبل ودقه ، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها ، وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها ، والأزهار قد تفتّحت عيونها ، والكمائم قد ظهر مكنونها ، والأشجار قد انصقلت بالقطر ، ونشرت ما يفوق ألوان البز وبثّت ما يعلو العطر ، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح « 4 » ، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفّعت بغيوم الأقداح ، ومديرها قد ذاب ظرفا فكاد يسيل من إهابه « 5 » ، وأخجل خدّها حسنا فتكلّل بعرق حبابه ، إذا بفتى رومي من أصبح فتيان المؤتمن قد أقبل متدرّعا كالبدر اجتاب سحابا ، والخمر اكتست حبابا ، والطاووس انقلب حبابا ، فهو ملك حسنا إلّا أنه جسد ، وغزال لينا إلّا أنه في هيئة الأسد ، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عوّل فيه عليه ، وأمره أن يتوجّه إليه ، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار والسكر قد استحوذ على لبّه ، وانبثّت سراياه في ضواحي قلبه « 6 » ، فأشار إليه وقرّبه ، واستبدع ذلك اللباس واستغربه ، وجدّ في أن يستخرج تلك الدّرّة من ماء ذلك الدّلاص « 7 » ، وأن يجلي عنه كما يجلى الخبث عن

--> ( 1 ) خلبه : استمال قلبه . والخلب - بكسر الخاء وسكون اللام : حجاب القلب ، وأراد هنا : القلب . ( 2 ) الزّجل : الذي يرفع صوته بالتطريب ، وأراد هنا الموكب ذا الصوت المرتفع . ( 3 ) قنة الجبل : قمته وأعلى مكان فيه . ( 4 ) الراح الأولى : الخمر . والثانية : اليد . ( 5 ) الإهاب : الجلد . ( 6 ) كذا في أصول النفح . وفي بدائع البداءة « نواهي قلبه » . وهو أفضل . ( 7 ) الدلاص : الليّن البرّاق .