أحمد بن محمد المقري التلمساني

128

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أتاني ثم حيّاني حبيب * به وأباحني الخدّ الرّقيما فمرّ لنا مجون في فنون * سلكت به الصراط المستقيما قلت : أما مجرّد الارتجال فأمر عن الكثير صادر ، وأما كونه مع التحدّث أو فصل الخصومات فهو نادر ، وقد حكينا منها في هذا الكتاب من القسم الأول موارد ومصادر . [ علي بن ظافر ويعقوب ] ويعجبني من الواقع لأهل المشرق من ذلك قضية علي بن ظافر ، إذ قال « 1 » : بتّ ليلة والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيّدات القصور ، بالانخفاض والقصور ، وشهدت له ساميات البروج ، بالاعتلاء ، والعروج ، قد ابيضّت حيطانه ، وطاب استيطانه ، وابتهج به سكانه وقطّانه ، والبدر قد محا خضاب الظّلماء ، محياه « 2 » في زرقة قناع السماء ، وكسا الجدران ثيابا من فضّة ، ونثر كافوره على مسك الثرى بعد أن سحقه ورضّه ، والروض قد ابتسم محيّاه ، ووشت بأسرار محاسنه ريّاه ، والنسيم قد عانق قامات الأغصان فميّلها ، وغصبها مباسم نورها فقبّلها ، وعندنا مغنّ قد وقع على تفضيله الإجماع ، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع ، إن بدا فالشمس طالعة ، وإن شدا فالورق « 3 » ساجعة ، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه ، وقابله فقلنا البدر قابل عيّوقه ، وهو يغار عليه من النسيم كلّما خفق وهبّ ، ويستجيش عليه بتلويح بارقه الموشّى بالذهب ، ويديم حرقته وسهده ، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده ، فتارة يضمّخه بخلوقه ، وتارة يحلّيه بعقيقه ، وآونة يكسوه أثواب شقيقه ، فلم نزل « 4 » كذلك حتى نعس طرف المصباح ، واستيقظ نائم الصباح ، فصنعت بديها في المجلس ، وكتبت بها إلى الأعز بن المؤيد رحمه اللّه تعالى أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام الأعياد ، كارتفاع الرؤوس على الأجياد « 5 » ، بل فضلت ليلات الدهر ، كفضل البدر على النجوم الزّهر : [ الخفيف ] غبت عني يا ابن المؤيد في وق * ت شهيّ يلهي المحبّ المشوقا ليلة ظلّ بدرها يلبس الجد * ران ثوبا مفضّضا مرموقا وغدا الطّلّ فيه ينثر كافو * را فيعلو مسك التراب السّحيقا

--> ( 1 ) انظر بدائع البداءة ج 2 ، ص 206 . ( 2 ) في ب : « وجلا محياه . . » . ( 3 ) الورق : جمع ورقاء ، وهي الحمامة التي يميل لونها إلى الخضرة . ( 4 ) في ج : « فلم يزل كذلك » . ( 5 ) الأجياد : جمع جيد ، وهو العنق .