أحمد بن محمد المقري التلمساني

124

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه ؟ فأهوى له شخص له قحة وإقدام ، فقال : يا أبا جعفر ، فأرنا برهان ذلك ، ما أظنك تعني إلّا نفسك ، فقال : نعم ، ولم لا ؟ وأنا الذي أقول ما لم يتنبّه « 1 » إليه متقدّم ، ولا يهتدي لمثله متأخّر : [ السريع ] يا هل ترى أظرف من يومنا * قلّد جيد الأفق طوق العقيق وأنطق الورق بعيدانها * مرقصة كلّ قضيب وريق والشمس لا تشرب خمر الندى * في الأرض إلّا بكؤوس الشقيق فلم ينصفوه في الاستحسان ، وردّوه في الغيظ إلى أضيق مكان ، فقلت له : يا سيدي ، هذا هو السحر الحلال ، فباللّه إلّا ما زدتني « 2 » من هذا النمط ، فقال : [ الوافر ] أدرها فالسماء بدت عروسا * مضمّخة الملابس بالغوالي وخدّ الروض حمّره أصيل * وجفن النهر كحّل بالظّلال وجيد الغصن يشرق في لآل * تضيء بهنّ أكناف الليالي فقلت : زد وعد ، فعاد والارتياح قد ملك عطفه ، والتّيه قد رفع أنفه ، فقال : [ السريع ] للّه نهر عندما زرته * عاين طرفي منه سحرا حلال إذ أصبح الطّلّ به ليلة * وجال فيه الغصن شبه الخيال « 3 » فقلت : زد ، فأنشد : [ الوافر ] ولمّا ماج بحر الليل بيني * وبينكم وقد جدّدت ذكرا أراد لقاءكم إنسان عيني * فمدّ له المنام عليه جسرا فقلت : إيه ، فقال : [ الوافر ] ولمّا أن رأى إنسان عيني * بصحن الخدّ منه غريق ماء أقام له العذار عليه جسرا * كما مدّ الظلام على الضياء فقلت : أعد ، فأعاد ، وقال : حسبك لئلّا تكثر عليك المعاني ، فلا تقوم بحقّ قيمتها ، وأنشد : [ الكامل ]

--> ( 1 ) في ه : « ما لم ينته إليه متقدم » . ( 2 ) في ه : « إلا ما زدتنا » . ( 3 ) في ه : « إذ صبح الظل به ليلة » .