أحمد بن محمد المقري التلمساني

10

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

نفسه بأنّ شيئا من هذه التآليف لو كان منّا موجودا لكان إليهم منقولا ، وعندهم ظاهرا ، لقرب المزار ، وكثرة السّفّار « 1 » ، وتردّدهم إليهم ، وتكرّرهم علينا . ثم لمّا ضمّنا المجلس الحافل بأصناف الآداب ، والمشهد الآهل بأنواع العلوم ، والقصر المعمور بأنواع الفضائل ، والمنزل المحفوف بكل لطيفة وسيعة من دقيق المعاني وجليل المعالي ، قرارة المجد ومحلّ السؤدد ، ومحطّ رحال الخائفين ، وملقى عصا التّسيار عند الرئيس الأجلّ الشريف قديمه وحسبه ، الرفيع حديثه ومكتسبه ، الذي أجله عن كل خطّة يشركه فيها من لا توازي قومته نومته ، ولا ينال حضره هويناه « 2 » ، وأربى به عن كلّ مرتبة يلحقه فيها من لا يسمو إلى المكارم سموّه ، ولا يدنو من المعالي دنوّه ، ولا يعلو في حميد الخلال علوّه ، بل أكتفي من مدحه باسمه المشهور ، وأجتزي « 3 » من الإطالة في تقريظه بمنتماه المذكور ، فحسبي بذينك العلمين دليلا على سعيه المشكور ، وفضله المشهور ، أبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن قاسم صاحب البونت « 4 » أطال اللّه بقاءه ! وأدام اعتلاءه ! ولا عطّل الحامدين من تحليهم بحلاه ! ولا أخلى الأيام من تزينها بعلاه ! فرأيته أعزّه اللّه تعالى حريصا على أن يجاوب هذا المخاطب ، وراغبا في أن يبين له ما لعلّه قد رآه فنسي أو بعد عنه فخفي ، فتناولت الجواب المذكور بعد أن بلغني أن ذلك المخاطب قد مات ، رحمنا اللّه تعالى وإياه ! فلم يكن لقصده بالجواب معنى ، وقد صارت المقابر له مغنى ، فلسنا بمسمعين من في القبور ، فصرفت عنان الخطاب إليك ، إذ من قبلك صرت إلى الكتاب المجاوب عنه ، ومن لدنك وصلت إلى الرسالة المعارضة ، وفي وصول كتابي على هذه الهيئة حيثما وصل كفاية لمن غاب عنه من أخبار تآليف أهل بلدنا مثل ما غاب عن هذا الباحث الأول ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد ، وإن كنت في إخباري إياك بما أرسمه في كتابي هذا كمهد إلى البركان نار الحباحب « 5 » ، وباني صوّى « 6 » في مهيع القصد اللاحب ، فإنك وإن كنت المقصود والمواجه ، فإنما المراد من أهل تلك الناحية من نأى عنه علم ما استجلبه السائل الماضي ، وما توفيقي إلّا بالله سبحانه .

--> ( 1 ) السّفّار : المسافرون . ( 2 ) الحضر : بضم الحاء وسكون الضاء : شدة العدو . والهوينى : التؤدة والتمهل والرفق . ( 3 ) أجتزىء : أكتفي . ( 4 ) البونت : من أعمال بلنسية ، استقل فيها بنو قاسم الفهريون بعد الفتنة وأولهم عبد اللّه بن قاسم وخلفه يمن الدولة ( انظر أعمال الأعلام : 208 ) . ( 5 ) الحباحب : ذباب يطير ليلا له شعاع في ذنبه كالسراج . ( 6 ) الصوى : علامات توضع في الطرق لهداية السالكين .