أحمد بن محمد المقري التلمساني

397

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

صاحبتها علم المدنية ، وصواحب غيرها إليهنّ تنسب دار المدنيات بالقصر ، وكان يؤثرهنّ لجودة غنائهنّ ونصاعة ظرفهنّ ورقّة أدبهنّ ، وتضاف إليهن جارية « 1 » قلم وهي ثالثة فضل وعلم في الحظوة عند الأمير المذكور ، وكانت أندلسية الأصل ، رومية من سبي البشكنس ، وحملت صبيّة إلى المشرق ، فوقعت بمدينة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتعلّمت هنالك الغناء فحذقته « 2 » ، وكانت أديبة ، ذاكرة ، حسنة الخطّ ، راوية للشعر ، حافظة للأخبار ، عالمة بضروب الآداب . 76 - ومن النساء الداخلات إلى الأندلس من المشرق قمر جارية إبراهيم بن حجاج اللخمي ، صاحب إشبيلية . وكانت من أهل الفصاحة والبيان ، والمعرفة بصوغ الألحان ، وجلبت إليه من بغداد ، وجمعت أدبا وظرفا ، ورواية وحفظا ، مع فهم بارع ، وجمال رائع ، وكانت تقول الشعر بفضل أدبها ، ولها في مولاها تمدحه : [ بحر الكامل ] ما في المغارب من كريم يرتجى * إلّا حليف الجود إبراهيم إنّي حلّلت لديه منزل نعمة * كلّ المنازل ما عداه ذميم وأنشد لها السالمي لمّا ذكرها عدّة أشعار : منها قولها تتشوّق إلى بغداد : [ بحر الكامل ] آها على بغدادها وعراقها * وظبائها والسحر في أحداقها ومجالها عند الفرات بأوجه * تبدو أهلّتها على أطواقها متبخترات في النعيم كأنّما * خلق الهوى العذريّ من أخلاقها « 3 » نفسي الفداء لها فأيّ محاسن * في الدهر تشرق من سنا إشراقها 77 - ومنهن الجارية العجفاء « 4 » . قال الأرقمي : قال لي أبو السائب ، وكان من أهل الفضل والنّسك : هل لك في أحسن الناس غناء ؟ فجئنا إلى دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة ، فأذن لنا فدخلنا بيتا عرضه اثنا عشر ذراعا في مثلها ، وطوله في السماء ستة عشر ذراعا ، وفي البيت نمرقتان قد ذهب عنهما

--> ( 1 ) كذا في الأصول . ولعل الأصل « جاريته قلم » أو « جارية تسمى قلم » . ( 2 ) حذقته : أتقنته . ( 3 ) الهوى العذري : المنسوب إلى قبيلة عذرة ، وهي قبيلة اشتهر فتيانها وفتياتها بالعشق الطاهر العفيف ، ورقة القلوب ، ولذا قيل عن كل حب طاهر إنه عذري . ( 4 ) انظر الأغاني ج 23 ص 282 .