أحمد بن محمد المقري التلمساني

394

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

قرب من السلطان إلى حين وفاته ، وبنى له دارا للحديث ، وهي الكاملية ببين القصرين ، فلم يزل يحدّث بها إلى أن مات . وقد ذكرنا في ترجمة ابن دحية من هذا الكتاب شيئا من أحواله ، وأنّ الناس فيه معتقد ومنتقد ، وهكذا جرت العادة خصوصا في حقّ الغريب المنتسب للعلم : [ بحر الوافر ] وعند اللّه تجتمع الخصوم وممّن كان عليه لا له أبو المحاسن محمد بن نصر المعروف بابن عنين فإنه قال فيه « 1 » : [ بحر السريع ] دحية لم يعقب فلم تعتزي * إليه بالبهتان والإفك « 2 » ما صحّ عند الناس شيء سوى * أنك من كلب بلا شكّ هكذا ذكره ابن النجار ، وأطال في الوقيعة في أبي الخطاب بن دحية . وقال الذهبي : قرأت بخطّ الضياء عندما ذكر ابن دحية أنه قال : لقيته بأصبهان ، ولم أسمع منه شيئا ، وأخبرني إبراهيم السنهوري بأصبهان أنه دخل المغرب ، وأنّ مشايخه كتبوا له جرحه وتضعيفه ، وقد رأيت أنا منه غير شيء ممّا يدلّ على ذلك ، وبسببه بنى السلطان الملك الكامل دار الحديث بالقاهرة وجعله شيخها ، وقد سمع منه الإمام أبو عمرو بن الصلاح الموطأ سنة نيّف وستمائة ، وأخبره به عن جماعة منهم أبو عبد اللّه بن زرقون . وقال ابن واصل : كان أبو الخطاب - مع فرط معرفته بالحديث ، وحفظه الكثير منه - متّهما بالمجازفة في النقل ، وبلغ ذلك الملك الكامل ، فأمره أن يعلّق شيئا على كتاب « الشّهاب » ، فعلّق كتابا تكلّم فيه على أحاديثه وأسانيده ، فلمّا وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعد أيام : قد ضاع مني ذلك الكتاب ، فعلّق لي مثله ، ففعل ، فجاء في الثاني مناقضة للأول ، فعلم الملك الكامل صحة ما قيل عنه ، ونزلت مرتبته عنده ، وعزله عن دار الحديث أخيرا ، وولّى أخاه أبا عمر وعثمان . وقال ابن نقطة : كان أبو الخطاب موصوفا بالمعرفة والفضل ، ولم أره ، إلّا أنه كان يدّعي أشياء لا حقيقة لها ؛ ذكر لي أبو القاسم بن عبد السلام - وكان ثقة - قال : نزل عندنا ابن دحية

--> ( 1 ) انظر ديوان ابن عنين ص 220 . ( 2 ) دحية : صحابي ينسب إليه أبو الخطاب . وتعتزي : تنسب . والبهتان : الكذب وما لا أصل له . والإفك ، بالكسر : التقوّل .