أحمد بن محمد المقري التلمساني

390

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فيسقي بستانا ، وفي القصر من الأطيار ، ما يغني صوته عن العود والمزمار ، فاستحسن المأمون ما رأى ، وعزم على الصّبوح « 1 » ، فدعا بالطعام فأكلنا وشربنا ، ثم قال لي : غنّ بأطيب صوت وأطربه ، فلم يمرّ على خاطري غير هذا الصوت : [ بحر المنسرح ] لو كان حولي بنو أمية لم * ينطق رجال أراهم نطقوا فنظر إليّ مغضبا ، وقال : عليك لعنة اللّه وعلى بني أمية ! فعلمت أني قد أخطأت ، فجعلت أعتذر من هفوتي ، وقلت : يا أمير المؤمنين ، أتلومني أن أذكر مواليّ بني أمية ، وهذا زرياب مولاك عندهم بالأندلس ، يركب في أكثر من مائة مملوك وفي ملكه ثلاثمائة ألف دينار دون الضياع ، وإني عندكم أموت جوعا ، وفي الحكاية طول واختلاف ، ومحلّ الحاجة منها ما يتعلّق بزرياب ، رحم اللّه تعالى الجميع ! . وذكرها الرقيق في كتاب « معاقرة الشراب » على غير هذا الوجه ، ونصّه : وركب المأمون يوما من دمشق يريد جبل الثلج ، فمرّ ببركة عظيمة من برك بني أمية ، وعلى جانبها أربع سروات ، وكان الماء يدخل سيحا « 2 » ، فاستحسن المأمون الموضع ، ودعا بالطعام والشراب ، وذكر بني أمية ، فوضع منهم وتنقّصهم ، فأخذ علوية العود واندفع يغني : [ بحر الطويل ] أرى أسرتي في كلّ يوم وليلة * يروح بهم داعي المنون ويغتدي « 3 » أولئك قوم بعد عزّ وثروة * تفانوا فإلّا أذرف العين أكمد « 4 » فضرب المأمون بكأسه الأرض ، وقال لعلويه : يا ابن الفاعلة ، لم يكن لك وقت تذكر مواليك فيه إلّا هذا الوقت ؟ فقال : مولاكم زرياب عند مواليّ بالأندلس يركب في مائة غلام ، وأنا عندكم بهذه الحالة ، فغضب عليه نحو شهر ، ثم رضي عنه ، انتهى . ونحوه لابن الرقيق في كتابه « قطب السرور » وقال في آخر الحكاية : وأنا عندكم أموت من الجوع ، ثم قال : وزرياب مولى المهدي ، ووصل إلى بني أمية بالأندلس فعلت حاله ، حتى كان كما قال علوية ، انتهى . ولمّا غنّى زرياب « 5 » بقوله : [ بحر الطويل ]

--> ( 1 ) الصبوح : ما يؤكل أو يشرب في الصباح . ( 2 ) سيحا : أي جاريا على وجه الأرض . ( 3 ) المنون : الموت . ( 4 ) فإلّا : فإن لا . وأكمد : أحزن حزنا شديدا . ( 5 ) في ه : « ولما غنى ابن زرياب » والشعر لذي الرمّة في ديوانه ص 352 .