أحمد بن محمد المقري التلمساني
386
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
إلى أصداغهم - حسبما عليه اليوم الخدم الخصية والجواري . هوت إليه أفئدتهم ، واستحسنوه . وممّا سنّه لهم استعمال المرتك المتّخذ من المرداسنج لطرد ريح الصنان من مغابنهم « 1 » ، ولا شيء يقوم مقامه ، وكانت ملوك الأندلس تستعمل قبله ذرور الورد وزهر الريحان وما شاكل ذلك من ذوات القبض والبرد ، فكانوا لا تسلم ثيابهم من وضر « 2 » ، فدلّهم على تصعيدها بالملح ، وتبييض لونها ، فلما جرّبوه أحمدوه جدّا . وهو أول من اجتنى بقلة الهليون المسمّاة بلسانهم الإسفراج ، ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله . وممّا اخترعوه من الطبيخ اللون المسمى عندهم بالتفايا « 3 » ، وهو مصطنع بماء الكزبرة الرطبة محلّى بالسنبوسق والكباب ، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب . وممّا أخذه عنه الناس بالأندلس تفضيله آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضّة ، وإيثاره فرش أنطاع الأديم « 4 » الليّنة الناعمة على ملاحف الكتّان ، واختياره سفر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية إذ الوضر يزول عن الأديم بأقلّ مسحة ، ولبسه كلّ صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به ، فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس للباس البياض وجعلهم « 5 » للملوّن من يوم مهرجان أهل البلد المسمّى عندهم بالعنصرة الكائن في ست بقين من شهر يونيه الشمسي من شهورهم الرومية ، فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية ويلبسون بقية السنة الثياب الملوّنة ، ورأى أن يلبسوا في الفصل الذي بين الحرّ والبرد المسمّى عندهم الربيع من مصبغهم جباب الخزّ والملحم والمحرّر والدّراريع « 6 » التي لا بطائن لها لقربها من لطف ثياب البياض الظهائر التي ينتقلون إليها لخفتها وشبهها بالمحاشي ، ثياب العامة ، وكذا رأى أن يلبسوا في آخر الصيف وعند أول الخريف المحاشي المروية والثياب المصمتة وما شاكلها من خفائف الثياب الملونة ذوات الحشو والبطائن الكثيفة ، وذلك عند قرص البرد في الغدوات ، إلى أن يقوى البرد فينتقلون إلى أثخن منها من الملونات ، ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا إلى صنوف الفراء .
--> ( 1 ) المغابن : جمع مغبن ، وهو كل مكان يكثر فيه العرق من الجسد كالإبط . ( 2 ) الوضر : الوسخ . ( 3 ) في أ : « بالنقابا » . والتفايا : من بسائط الأطعمة ، وهي أنواع . ( 4 ) أنطاع : جمع نطع ، وهو بساط من جلد . والأديم الجلد . ( 5 ) في ب : « وخلعهم للملون » . ( 6 ) الدراريع : جمع درّاعة - بضم الدال - وهي جبة من صوف مشقوقة المقدم .