أحمد بن محمد المقري التلمساني
364
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أثر توسّلي بك إلى اللّه ربّك ! مزّق شملي ، وفرق بيني وبين أهلي ، وتعدّي عليّ ، وصرفت وجوه المكايد إليّ ، حتى أخرجت من وطني وبلدي ، ومالي وولدي ، ومحلّ جهادي ، وحقّي الذي صار لي طوعا عن آبائي وأجدادي ، عن بيعة لم يحلّ عقدتها الدين ، ولا ثبوت جرحة تشين « 1 » ، وأنا قد قرعت باب اللّه سبحانه بتأميلك ، فالتمس لي قبوله بقبولك ، وردّني إلى وطني على أفضل حال ، وأظهر عليّ كرامتك التي تشدّ إليها ظهور الرّحال ، فقد جعلت وسيلتي إليك رسول الحقّ ، إلى جميع الخلق ، والسلام عليك أيها الوليّ الكريم ، الذي يأمن به الخائف وينتصف الغريم ، ورحمة اللّه ، انتهى . رجع : والسرخسي المذكور قال في حقّه بعض الأئمّة : إنه الشيخ الإمام ، شيخ الشيوخ ، تاج الدين أبو محمد عبد اللّه بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه ، له رحلة مغربية ، انتهى . وهو من بيت كبير ، وقال البدري في « 2 » حقّه ما صورته : تاج الدين ، شيخ الشيوخ بدمشق ، أحد الفضلاء المؤرّخين المصنّفين ، له كتاب في ثمان مجلّدات ذكر فيه أصول الأشياء ، وله « السياسة الملوكية » صنّفها للملك الكامل محمد ، وغير ذلك ، وسمع الحديث ، وحفظ القرآن ، وكان قد بلغ الثمانين ، وقيل : لم يبلغها ، وقد سافر إلى بلاد المغرب سنة ثلاث وتسعين ، واتّصل بمراكش ، عند ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، فأقام هنالك إلى سنة ستمائة ، وقدم مصر ، وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين بن حمويه ، انتهى . وقال غيره : إنه كان فاضلا متواضعا نزها حسن الاعتقاد ، قال أبو المظفر : كان يحضر مجالسي ، وأنشدني يوما : [ بحر البسيط ] لم ألق مستكبرا إلّا تحوّل لي * عند اللقاء له الكبر الذي فيه ولا حلا لي من الدنيا ولذّتها * إلّا مقابلتي للتّيه « 3 » بالتّيه وقال السرخسي المذكور في رحلته : إني وإن كنت خراساني الطينة ، لكنّي شامي المدينة ، وإن كانت العمومة من المشرق ، فإن الخؤولة من المغرب ، فحدث باعث يدعو إلى الحركات والأسفار ، ومشاهدة الغرائب في النواحي والأقطار ، وذلك في حال ريعان الشباب
--> ( 1 ) تشين : تعيب . ( 2 ) في ب : « وقال البدري في تاريخه في حقه . . » . ( 3 ) حلا لي ، هنا : لذّلي . والتيه : الكبر ، والعجب بالنفس . وقد استقى معنى البيت من قولهم : الكبر على أهل الكبر صدقة .