أحمد بن محمد المقري التلمساني
359
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ووجد المنصور خفّة فأحضر جماعة بين يديه ، وهو كالخيال لا يبين الكلام « 1 » ، وأكثر كلامه بالإشارة كالمسلّم المودع ، وخرجوا من عنده ، فكان آخر العهد به ومات لثلاث بقين من شهر رمضان ، وأوصى أن يدفن حيث يقبض ، فدفن في قصره بمدينة سالم . واضطرب العسكر ، وتلوّم ولده أياما « 2 » ، وفارقه بعض العسكر إلى هشام ، وقفل هو إلى قرطبة فيمن بقي معه ، ولبس فتيان المنصور المسوح والأكسية بعد الوشي والحبر والخزّ . وقام ولده عبد الملك المظفر بالأمر ، وأجراه هشام الخليفة على عادة أبيه ، وخلع عليه ، وكتب له السجلّ بولاية الحجابة ، وكان الفتيان قد اضطربوا فقوّم « 3 » المائل ، وأصلح الفاسد ، وجرت الأمور على السداد ، وانشرحت الصدور بما شرع فيه من عمارة البلاد ، فكان أسعد مولود ولد في الأندلس . ولنمسك عنان القلم في أمر ابن أبي عامر ، فقد قدّمنا في محلّه جملة من أحواله ، وما ذكرناه هنا وإن كان محلّه ما سبق وبعضه قد تكرّر معه فهو لا يخلو من فوائد زوائد ، واللّه تعالى ولي التوفيق . رجع إلى أخبار صاعد اللغوي البغدادي : وحكي « 4 » أنه دخل على المنصور يوم عيد ، وعليه ثياب جدد وخفّ جديد ، فمشى على حافة البركة لازدحام الحاضرين في الصف « 5 » ، فزلق فسقط في الماء ، فضحك المنصور ، وأمر بإخراجه ، وقد كان البرد أن يأتي عليه ، فخلع عليه ، وأدنى مجلسه ، وقال له : هل حضرك شيء ؟ فقال : [ بحر الكامل ] شيئان كانا في الزمان عجيبة * ضرط ابن وهب ثم وقعة صاعد فاستبرد ما أتى به أبو مروان الكاتب الجزيري ، فقال : هلّا قلت : [ بحر المتقارب ] سروري بغرّتك المشرقة * وديمة راحتك المغدقه « 6 »
--> ( 1 ) لا يبين الكلام : لا يظهره ، ولا يفهم منه . ( 2 ) تلوم أياما في الأمر : تمكث وانتظر . ( 3 ) قوّم المائل : عدله . ( 4 ) في ب : « حكي » ؛ بإسقاط الواو . ( 5 ) في ب : « في الصحن » . ( 6 ) الديمة : المطر الدائم الذي لا ينقطع . والراحة هنا : اليد . وقد شبه عطاءه بالمطر الدائم غير المنقطع .