أحمد بن محمد المقري التلمساني

357

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الشّرق بحاله والغصص ، فلم تطل المدّة حتى غضب عليه المنصور واعتقله ، ونقله معه في الغزوات واحتمله ، واتّفق أن نزلت بجليقية إلى جانب خبائه في ليلة نهى فيها المنصور عن وقود النيران ليخفى على العدوّ أثره ، ولا ينكشف إليه خبره ، فرأيت واللّه عثمان ولده يسقيه « 1 » دقيقا قد خلطه بماء يقيم به أوده ، ويمسك بسببه رمقه ، بضعف حال وعدم زاد ، وهو يقول : [ بحر الطويل ] تعاطيت صرف الحادثات فلم أزل * أراها توفّي عند موعدها الحرّا فللّه أيام مضت بسبيلها * فإني لا أنسى لها أبدا ذكرا تجافت بها عنّا الحوادث برهة * وأبدت لنا منها الطّلاقة والبشرا ليالي ما يدري الزمان مكانها * ولا نظرت منها حوادثه شزرا « 2 » وما هذه الأيام إلّا سحائب * على كلّ أرض تمطر الخير والشّرّا انتهى . وأما غالب الناصري فإنه حضر مع ابن أبي عامر في بعض الغزوات ، وصعدا « 3 » إلى بعض القلاع ، لينظرا في أمرها ، فجرت محاورة بين ابن أبي عامر وغالب ، فسبّه غالب وقال له : يا كلب ، أنت الذي أفسدت الدولة ، وخرّبت القلاع ، وتحكّمت في الدولة ، وسلّ سيفه فضربه ، وكان بعض الناس حبس يده ، فلم تتمّ الضربة وشجّه ، فألقى ابن أبي عامر نفسه من رأس القلعة خوفا من أن يجهز عليه « 4 » ، فقضى اللّه تعالى أنه وجد شيئا في الهواء « 5 » منعه من الهلاك ، فاحتمله أصحابه وعالجوه حتى برئ ، ولحق غالب بالنصارى ، فجيّش بهم « 6 » ، وقابله ابن أبي عامر بمن معه من جيوش الإسلام ، فحكمت الأقدار بهلاك غالب ، وتمّ لابن أبي عامر ما جدّ له ، وتخلّصت دولته من الشوائب . قالوا : ولمّا وقعت وحشة بين ابن أبي عامر والمؤيّد ، وكان سببها تضريب الحساد فيما بينهما ، وعلم أنه ما دهي إلّا من جانب حاشية القصر ، فرّقهم ومزّقهم ، ولم يدع فيه منهم إلّا من وثق به أو عجز عنه ، ثم ذكر له أن الحرم قد انبسطت أيديهنّ في الأموال المختزنة بالقصر ،

--> ( 1 ) في ب : « يسفيه » . ( 2 ) نظر شزرا : نظر بمؤخر عينيه غاضبا . وفي ب : « ما يدري الزمان مكاننا » . ( 3 ) في ب : « وصعد » . ( 4 ) أجهز عليه : فتك به وقتله . ( 5 ) في ب : « الهويّ » . ( 6 ) جيّش بهم : استكثر بهم .