أحمد بن محمد المقري التلمساني
346
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
يزعم أنه متقدّم في هذه العلوم ، وأحب أن يمتحن ، فوجّه إليه ، فلمّا مثل بين يديه والمجلس قد احتفل خجل فرفع المنصور محلّه وأقبل عليه ، وسأله عن أبي سعيد السيرافي ، فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه ، فبادره العاصمي بالسؤال عن مسألة من الكتاب ، فلم يحضره جوابها ، واعتذر بأن النحو ليس جلّ بضاعته ، فقال له الزبيدي : فما تحسن أيّها الشيخ ؟ فقال : حفظ الغريب ، قال : فما وزن أولق « 1 » ، فضحك صاعد ، وقال : أمثلي يسأل عن هذا ؟ إنما يسأل عنه صبيان المكتب ، قال الزبيدي : قد سألناك ، ولا نشكّ أنك تجهله ، فتغيّر لونه ، وقال : أفعل وزنه ، فقال الزبيدي : صاحبكم ممخرق « 2 » ، فقال له صاعد ، إخال الشيخ صناعته الأبنية ، فقال له : أجل ، فقال صاعد : وبضاعتي أنا حفظ الأشعار ، ورواية الأخبار ، وفكّ المعمّى ، وعلم الموسيقى ، فقال : فناظره ابن العريف ، فظهر عليه صاعد ، وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلّا أنشد عليها شعرا شاهدا ، وأتى بحكاية تجانسها « 3 » ، فأعجب المنصور ، ثم أراه كتاب « النوادر » لأبي علي القالي ، فقال : إن أراد المنصور أمليت على كتّاب دولته كتابا أرفع منه وأجلّ لا أورد فيه خبرا ممّا أورده أبو علي ، فأذن له المنصور في ذلك ، وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي على كتابه المترجم ب « الفصوص » ، فلمّا أكمله تتبعه « 4 » أدباء الوقت ، فلم تمرّ فيه كلمة صحيحة عندهم ، ولا خبر ثبت لديهم ، وسألوا المنصور في تجليد كراريس بياض تزال جدتها ، حتى توهّم القدم ، وترجم عليه كتاب « النكت » تأليف أبي الغوث الصنعاني ، فترامى إليه صاعد حين رآه ، وجعل يقبله ، وقال : إي واللّه ، قرأته بالبلد الفلاني على الشيخ أبي فلان ، فأخذه المنصور من يده خوفا أن يفتحه ، وقال له : إن كنت قد قرأته كما تزعم ، فعلام يحتوي ؟ فقال : وأبيك لقد بعد عهدي به ، ولا أحفظ الآن منه شيئا ، ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها « 5 » شعر ولا خبر ، فقال له المنصور : أبعد اللّه مثلك ! فما رأيت أكذب منك ، وأمر بإخراجه ، وأن يقذف كتاب « الفصوص » في النهر ، فقال فيه بعض الشعراء : [ بحر السريع ] قد غاص في النهر كتاب الفصوص * وهكذا كلّ ثقيل يغوص فأجابه صاعد : [ بحر السريع ] عاد إلى معدنه ، إنما * توجد في قعر البحار الفصوص
--> ( 1 ) الأولق : بفتح الهمزة وسكون الواو على وزن فوعل : الجنون . ( 2 ) ممخرق : مموه ، كذاب . ( 3 ) في ب : يجانسها . ( 4 ) تتبعوه : أي لا حقوه بالنقد . ( 5 ) لا يشوبها : لا يخالطها .