أحمد بن محمد المقري التلمساني
343
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وقال ابن خلّكان في ترجمة ابن القوطية : إن أبا علي القالي لمّا دخل الأندلس اجتمع به ، وكان يبالغ في تعظيمه ، قال له الحكم بن عبد الرحمن الناصر : من أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة ؟ فقال : محمد بن القوطية ، وكان ابن القوطية مع هذه الفضائل من العبّاد النّسّاك ، وكان جيّد الشعر صحيح الألفاظ حسن المطالع والمقاطع إلّا أنه تركه ورفضه ، وقال الأديب أبو بكر بن هذيل : إنه توجّه يوما إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة ، وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة « 1 » ، فصادف أبا بكر بن القوطية المذكور صادرا عنها ، وكانت له أيضا هناك ضيعة ، قال : فلما رآني عرّج عليّ ، واستبشر بلقائي ، فقلت مداعبا له : [ بحر البسيط ] من أين أقبلت يا من لا شبيه له * ومن هو الشمس والدنيا له فلك قال : فتبسّم وأجاب بسرعة : [ بحر البسيط ] من منزل تعجب النّسّاك خلوته * وفيه ستر على الفتّاك إن فتكوا « 2 » فما تمالكت أن قبّلت يده ، إذ كان شيخي ، ودعوت له ، انتهى . وهو صاحب كتاب « الأفعال » الذي فتح فيه هذا الباب ، فتلاه ابن القطّاع وله كتاب « المقصور والممدود » جمع فيه ما لا يحدّ ولا يعد ، وأعجز من بعده به ، وفاق من تقدّمه ، رحمه اللّه تعالى ورضي عنه ! . وممّن أخذ عن أبي علي القالي بالأندلس أبو بكر محمد الزبيدي صاحب كتاب « مختصر العين » وغيره ، وكان الزبيدي كثيرا ما ينشد : [ بحر السريع ] الفقر في أوطاننا غربة * والمال في الغربة أوطان والأرض شيء كلّها واحد * والناس إخوان وجيران وترجمة الزبيدي واسعة ، وكان مؤدّب المؤيّد هشام ، ووصفه بأنه كان في صباه في غاية الحذق والذكاء ، رحمه اللّه تعالى ! . وكان القالي قد بحث على ابن درستويه كتاب سيبويه ، ودقّق النظر ، وانتصر للبصريين ، وأملى شيئا من حفظه ككتاب « النوادر » و « الأمالي » ، و « المقصور والممدود » ، و « الإبل والخيل » ، و « البارع في اللغة » نحو خمسة آلاف ورقة ، ولم يصنّف « 3 » مثله في الإحاطة
--> ( 1 ) المونقة : المعجبة . ( 2 ) الفتاك : جمع فاتك ، وأراد به اللاهي المحب للبطالة واللهو . ( 3 ) في ب : « لم يصنف » الواو ساقطة .