أحمد بن محمد المقري التلمساني
328
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أمر الحسين الأنصاري الذي انتزى « 1 » عليه بسرقسطة ، فبطل ذلك العزم . ومن شعر عبد الرحمن أيضا قوله يتشوّق إلى معاهد الشام : [ بحر الخفيف ] أيها الراكب الميمّم أرضي * أقر منّي بعض السلام لبعضي إنّ جسمي كما علمت بأرض * وفؤادي ومالكيه بأرض قدّر البين بيننا فافترقنا * وطوى البين عن جفوني غمضي « 2 » قد قضى اللّه بالفراق علينا * فعسى باجتماعنا سوف يقضي وترجمة الداخل طويلة ، وقد ذكر منها ما فيه مقنع ، انتهى . واللّه تعالى الموفق للصواب . وفي بنائه جامع قرطبة يقول بعضهم : [ بحر الطويل ] وأبرز في ذات الإله ووجهه * ثمانين ألفا من لجين وعسجد « 3 » وأنفقها في مسجد زانه التّقى * وقرّ به دين النبيّ محمد ترى الذهب الوهّاج بين سموكه * يلوح كلمح البارق المتوقّد 33 - ومن الوافدين على الأندلس أبو الأشعث الكلبي . دخل الأندلس ، وكان شيخا مسنّا يروي عن أمّه عن عائشة ، رضي اللّه تعالى عنها ! إلّا أنه كان مندرا « 4 » صاحب دعابة ، وكان مختصّا بعبد الرحمن بن معاوية ، وله منه مكانة لطيفة يدلّ بها عليه « 5 » ، ولمّا توفي حبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وكانت له من عبد الرحمن خاصّة لم تكن لأحد من أهل بيته ، جعل عبد الرحمن يبكي ويجتهد في الدعاء والاستغفار لحبيب ، وكان إلى جنبه أبو الأشعث هذا قائما ، وكانت له دالّة عليه ودعابة يحتملها منه ، فأقبل عند استقباره كالمخاطب للمتوفّى علانية يقول : يا أبا سليمان ، لقد نزلت بحفرة قلّما يغني عنك فيها بكاء الخليفة عبد الرحمن بعده ، فأعرض عنه عبد الرحمن ، وقد كاد التبسّم يغلبه ، هكذا ذكره ابن حيّان ، رحمه اللّه تعالى في « المقتبس » ، ونقله عنه الحافظ ابن الأبار . 34 - ومن الداخلين إلى الأندلس جزي بن عبد العزيز ، أخو عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه تعالى عنه !
--> ( 1 ) انتزى عليه : ثار عليه ووثب . ( 2 ) البين : بعد المسافة . ( 3 ) اللجين : الفضة . والعسجد : الذهب . ( 4 ) مندرا : صاحب نوادر . ( 5 ) يدلّ عليه : يجترئ عليه ثقة منه بمحبته .