أحمد بن محمد المقري التلمساني

324

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وملخّص دخوله الأندلس أنه لمّا اشتدّ الطلب على فلّ بني أمية بالمشرق من وارثي ملكهم بني العباس خرج مستترا إلى مصر ، فاشتدّ الطلب على مثله ، فاحتال حتى وصل برقة ، ثم لم يزل متوغّلا في سيره إلى أن بلغ المغرب الأقصى ، ونزل بنفزة « 1 » وهم أخواله ، فأقام عندهم أياما ثم ارتحل إلى مغيلة بالساحل ، فأرسل مولاه بدرا بكتابه إلى مواليهم بالأندلس عبيد اللّه بن عثمان وعبد اللّه بن خالد وتمام بن علقمة وغيرهم ، فأجابوه واشتروا مركبا وجهّزوه بما يحتاج إليه ، وكان الذي اشتراه عبيد اللّه بن عثمان ، وأركب فيه بدرا ، وأعطاه خمسمائة دينار برسم النفقة ، وركب معه علقمة بن تمام « 2 » بن علقمة ، وبينما هو يتوضّأ لصلاة المغرب على الساحل إذ نظر إلى المركب في لجّة البحر مقبلا حتى أرسى أمامه ، فخرج إليه بدر سابحا ، فبشّره بما تمّ له بالأندلس ، وبما اجتمع عليه الأمويون والموالي ، ثم خرج إليه تمام ومن معه في المركب فقال له : ما اسمك وما كنيتك ؟ فقال : اسمي تمام ، وكنيتي أبو غالب ، فقال : تم أمرنا وغلبنا عدوّنا إن شاء اللّه تعالى ، ثم ركبوا المركب معه فنزل بالمنكّب ، وذلك غرة ربيع الأول سنة 138 . فلمّا اتّصل خبر جوازه « 3 » بالأموية أتاه عبيد اللّه بن عثمان وجماعة فتلقّوه بالإعظام والإكرام ، وكان وقت العصر ، فصلّى بهم العصر ، وركبوا معه إلى قرية طرّش من كور إلبيرة فنزل بها ، وأتاه بها جماعة من وجود الموالي وبعض العرب ، فبايعوه وكان من أمره ما يذكر ، وقيل : إنه أقام بإلبيرة حتى كمل من معه ستمائة فارس من موالي بني أمية ووجوه العرب ، فخرج من إلبيرة إلى كورة ريّة فدخلت في جماعته ثم بايعته أهلها وأجنادها ، ثم ارتحل إلى شذونة ثم إلى مدور ، ثم سار إلى إشبيلية . وقال بعضهم : لمّا أراد عبد الرحمن قصد قرطبة عند دخوله الأندلس من المشرق نزل بطشّانة ، فأشاروا عليه أن يعقد له لواء « 4 » ، فجاؤوا بعمامة وقناة ، فكرهوا أن يميلوا القناة تطيرا ، فأقاموها بين شجرتين من الزيتون متجاورتين ، وصعد رجل على فرع إحداهما فعقد اللواء والقناة قائمة ، وتبرّك هو وولده بهذا اللواء ، فكان بعد أن بلي لا تحلّ منه العقدة التي عقدت أوّلا ، بل تعقد فوقها الألوية الجدد ، وهي مستكنة تحتها ، ولم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت الدولة إلى عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، وقيل : إلى ابنه محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، فاجتمع الوزراء على

--> ( 1 ) في ج : « بنفرة » براءة مهملة . ( 2 ) في ب : تمام بن علقمة . ( 3 ) جوازه : أراد : اجتيازه من إفريقية إلى الأندلس . ( 4 ) اللواء : العلم ، والراية .