أحمد بن محمد المقري التلمساني
317
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أنك لم تزل بمقتك ، حتى ثقلت على العين طلعتك ، ثم زدت إلى أن ثقل على السمع كلامك ، ثم زدت إلى أن ثقل على النفس جوارك ، وقد أمرنا بإقصائك إلى أقصى الثغر فباللّه إلّا ما أقصرت ، ولا يبلغ بك زائد المقت إلى أن تضيق معي الدنيا « 1 » ، ورأيتك تشكو لفلان وتتألّم من فلان ، وما تقوّلوه عليك ، وما لك عدوّ أكبر من لسانك ، فما طاح بك غيره ، فاقطعه قبل أن يقطعك » . ولمّا فتح الداخل سرقسطة ، وحصل في يده ثائرها الحسين الأنصاري ، وشدخت « 2 » رؤوس وجوهها بالعمد ، وانتهى نصره فيها إلى غاية أمله ، أقبل خواصّه يهنّئونه ، فجرى بينهم أحد من لا يؤبه به من الجند ، فهنّأه بصوت عال ، فقال : واللّه لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ عليّ فيه النعمة من هو فوقي فأوجب عليّ ذلك أن أنعم فيه على من هو دوني لأصلينك ما تعرضت له من سوء النكال ، من تكون حتى تقبل مهنّئا رافعا صوتك غير متلجلج ولا متهيّب لمكان الإمارة ولا عارف بقيمتها حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك ؟ وإنّ جهلك ليحملك على العود لمثلها ، فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة ، فقال : ولعلّ فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتّصال جهلي وذنوبي ، فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة ، لا أعدمنيه اللّه تعالى ، فتهلّل وجه الأمير ، وقال : ليس هذا باعتذار جاهل ، ثم قال : نبّهونا على أنفسكم ، إذا لم تجدوا من ينبّهنا عليها ، ورفع مرتبته ، وزاد في عطائه . ولمّا أنحى « 3 » أصحابه على أصحاب الفهري بالقتل يوم هزيمتهم على قرطبة قال : لا تستأصلوا شأفة أعداء « 4 » ترجون صداقتهم ، واستبقوهم لأشدّ عداوة منهم ، يشير إلى استبقائهم ليستعان بهم على أعداء الدين . ولمّا اشتدّ الكرب بين يديه يوم حربه مع الفهري ، ورأى شدّة مقاساة أصحابه ، قال : هذا اليوم هو أسّ ما يبنى عليه ، إمّا ذلّ الدهر وإمّا عزّ الدهر ، فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون تربحوا بها بقيّة أعماركم فيما تشتهون . ولمّا خرج من البحر أول قدومه على الأندلس أتوه بخمر ، فقال : إني محتاج لما يزيد
--> ( 1 ) في ب : إلى أن تضيق بك معي الدنيا . ( 2 ) شدخت الرؤوس : قطعت وكسرت . ( 3 ) أنحى عليهم بالقتل : أكثر عليهم القتل ، وأنحى له السلاح : ضربه به . ( 4 ) استأصل شأفتهم : أبادهم وقضى عليهم .