أحمد بن محمد المقري التلمساني
312
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ضاقت عليه الأرض ، وقتله الراحة له ، والراحة منه . فقتله ، واحتزّ رأسه ، وقدم به إلى عبد الرحمن ، فلمّا قرب وأوذن « 1 » عبد الرحمن به أمره أن يتوقّف به دون جسر قرطبة ، وأمر بقتل ولده عبد الرحمن المحبوس عنده ، وضمّ إلى رأسه رأسه ، ووضعا على قناتين مشهّرين إلى باب القصر . وكان عبد الرحمن لمّا فرّ يوسف قد سجن وزيره الصّميل لأنه قال له : أين توجه ؟ فقال : لا أعلم ، فقال : ما كان ليخرج حتى يعلمك ، ومع ذلك فإنّ ولدك معه ، وأكّد عليه في أن يحضره ، فقال : لو أنه تحت قدمي هذه ما رفعتها لك عنه ، فاصنع ما شئت ، فحينئذ أمر به للحبس وسجن معه ولدي يوسف أبا الأسود محمدا المعروف بعد بالأعمى وعبد الرحمن ، فتهيّأ لهما الهرب من نقب ، فأمّا أبو الأسود فنجا سالما ، واضطرب في الأرض يبغي الفساد إلى أن هلك حتف أنفه « 2 » ، وأمّا عبد الرحمن فأثقله اللحم فانبهر « 3 » ، فردّ إلى الحبس ، حتى قتل كما تقدّم ، وأنف الصميل من الهرب ، فأقام بمكانه ، فلمّا قتل يوسف أدخل ابن معاوية على الصّميل من خنقه ، فأصبح ميتا ، فدخل عليه مشيخة المضرية في السجن ، فوجدوه ميتا ، وبين يديه كأس ونقل « 4 » ، كأنه بغت على شرابه ، فقالوا : واللّه إنّا لنعلم يا أبا جوشن أنك ما شربتها ولكن سقيتها . وممّا ظهر من بطش الأمير عبد الرحمن بن معاوية وصرامته فتكه بأحد دعائم دولته رئيس اليمانية أبي الصباح بن يحيى « 5 » ، وكان قد ولّاه إشبيلية وفي نفسه منه ما أوجب فتكه به . ومن ذلك النوع حكايته مع العلاء بن مغيث اليحصبي ، إذ ثار بباجة ، وكان قد وصل من إفريقية على أن يظهر الرايات السود بالأندلس ، فدخل في ناس قليلين ، فأرسى بناحية باجة ، ودعا أهلها ومن حولهم ، فاستجاب له خلق كثير ، إلى أن لقيه عبد الرحمن بجهة إشبيلية فهزمه ، وجيء به وبأعلام أصحابه ، فقطع يديه ورجليه ، ثم ضرب عنقه وأعناقهم ، وأمر فقرّطت الصّكاك « 6 » في آذانهم بأسمائهم ، وأودعت جوالقا محصنا ، ومعها اللواء الأسود ، وأنفذ بالجوالق تاجرا من ثقاته ، وأمره أن يضعه بمكّة أيام الموسم ، ففعل ، ووافق أبا جعفر المنصور قد حجّ ، فوضعه على باب سرادقه ، فلمّا كشفه ونظر إليه سقط في يده ، واستدعى عبد الرحمن
--> ( 1 ) أوذن به : أعلم به ، أخبر به . ( 2 ) مات حتف أنفه : أي مات دون معركة ولا قتال . ( 3 ) انبهر : انقطع نفسه من الإعياء . ( 4 ) النقل ما يأكله الشارب مع الشراب من بزور وفواكه وغيرها . ( 5 ) في ب : أي الصباح ويحيى . ( 6 ) قرطت الصكاك في آذانهم : أي كتب اسم كل واحد منهم في ورقة وعلقت في أذنه وكأنها قرط .