أحمد بن محمد المقري التلمساني

308

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

هشام لدينا ليتعيّش بها ، لا يريد غير ذلك ، فاتّفقا على هذا ، فلمّا ودّعا الصّميل خلوا به في ذلك ، وقد ظهر لهما منه حقد على صاحبه يوسف في إبطائه عن إمداده لما حاربه الحباب الزهري بكورة سرقسطة ، فقال لهما : أنا معكما فيما تحبّان ، فاكتبا إليه أن يعبر ، فإذا حضر سألنا يوسف أن ينزله في جواره وأن يحسن له ، ويزوّجه بابنته ، فإن فعل وإلّا ضربنا صلعته بأسيافنا ، وصرفنا الأمر عنه إليه ، فشكراه ، وقبّلا يده ، ثم ودّعاه ، وأقام بطليطلة وقد ولّاه يوسف عليها وعزله عن الثغر ، وانصرفا إلى وطنهما بإلبيرة ، وقد كانا لقيا من كان معهما في العسكر من وجوه الناس وثقاتهم ، فطارحاهم أمر ابن معاوية ، ثم دسّا في الكور إلى ثقاتهما بمثل ذلك ، فدبّ أمره فيهم دبيب النار في الجمر « 1 » ، وكانت سنة خلف بالأندلس بعد خروج من المجاعة التي دامت بالناس . وفي رواية أنّ الصّميل لان لهما في أن يطلب الأمر عبد الرحمن الداخل لنفسه ثم دبّر ذلك لما انصرفا ، فتراجع فيه ، فردّهما ، وقال : إني روّيت في الأمر الذي أردته معكما فوجدت الفتى الذي دعوتماني إليه من قوم لو بال أحدهم بهذه الجزيرة غرقنا نحن وأنتم في بوله ، وهذا رجل نتحكّم عليه ، ونميل على جوانبه ، ولا يسعنا بدل منه ، وو اللّه لو بلغتما بيوتكما ثم بدا لي فيما فارقتكما عليه لرأيت أن لا أقصّر حتى ألقاكما لئلّا أغركما من نفسي ، فإني أعلمكما أنّ أوّل سيف يسلّ عليه سيفي ، فبارك اللّه لكما في رأيكما ، فقالا له : ما لنا رأي إلّا رأيك ، ولا مذهب « 2 » لنا عنك . ثم انصرفا عنه على أن يعينهما في أمره إن طلب غير السلطان ، وانفصلا عنه إلى إلبيرة عازمين على التصميم في أمره ، ويئسا من مضر وربيعة ، ورجعا إلى اليمانية ، وأخذا في تهييج « 3 » أحقاد أهل اليمن على مضر ، فوجداهم قوما قد وغرت « 4 » صدورهم عليهم ، يتمنّون شيئا يجدون به السبيل إلى إدراك ثأرهم ، واغتنما بعد يوسف صاحب الأندلس في الثغر ، وغيبة الصّميل ، فابتاعا مركبا ووجّها فيه أحد عشر رجلا منهم مع بدر الرسول ، وفيهم تمام بن علقمة وغيره ، وكان عبد الرحمن قد وجّه خاتمه إلى مواليه ، فكتبوا تحت ختمه إلى من يرجونه في طلب الأمر ، فبثّوا من ذلك في الجهات ما دبّ به أمرهم ، ولمّا وجّه أبو عثمان المركب المذكور مع شيعته ألفوه بشطّ مغيلة من بلاد البربر ، وهو يصلّي ، وكان قد اشتدّ قلقه وانتظاره لبدر رسوله ، فبشّره بدر بتمكّن الأمر ، وخرج إليه تمام مكثرا لتبشيره ، فقال له

--> ( 1 ) دب : مشى مشيا بطيئا متمهلا . ( 2 ) لا مذهب لنا عنك : أي لا نحيد عن رأيك ولا نبعد عنه ، ومذهب مصدر ميمي بمعنى ذهاب . ( 3 ) هيج حقده : أثاره . ( 4 ) وغر صدره عليه : أي امتلأ صدره حقدا عليه . والوغر : الحقد والضغن والعداوة والتوقد من الغيظ .