أحمد بن محمد المقري التلمساني
304
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وخمسين سنة ، وأقامه أهل الأندلس بعد أميرهم ثوابة ، وقد مكثوا بغير وال أربعة أشهر ، فاجتمعوا عليه بإشارة الصّميل من أجل أنه قرشي رضي به الحيان ، فرفعوا الحرب ، ومالوا إلى الطاعة ، فدانت « 1 » له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر ، وقال ابن حيان : قدّمه أهل الأندلس في ربيع الآخر سنة 129 ، واستبدّ بالأندلس دون ولاية أحد له غير من بالأندلس ، وحكى ابن حيان أنه أنشد قول حرقة بنت النعمان بن المنذر يوم خلعه بالأمان من سلطانه ودخوله عسكر عبد الرحمن الداخل المرواني : [ بحر الطويل ] فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف « 2 » قال ابن حيان : لمّا سمع أبو الخطار بتقديمه حرّك يمانيته ، فأجابوا دعوته ، فأدّى ذلك إلى وقعة شقندة بين اليمانية والمضرية فيقال : إنه لم يك بالمشرق ولا بالمغرب حرب أصدق منها جلادا ولا أصبر رجالا ، طال صبر بعضهم على بعض ، إلى أن فني السلاح ، وتجاذبوا بالشعور ، وتلاطموا بالأيدي ، وكلّ بعضهم « 3 » عن بعض ، وثابت للصميل غرّة « 4 » في اليمانية في بعض الأيام ، فأمر بتحريك أهل الصناعات بأسواق قرطبة ، فخرجوا في نحو أربعمائة رجل من أنجادهم « 5 » بما حضرهم من السكاكين والعصيّ ليس فيهم حامل رمح ولا سيف إلّا قليلا ، فرماهم على اليمانية وهم على غفلة ، وما فيهم من يبسط يد القتال « 6 » ، ولا ينهض لدفاع ، فانهزمت اليمانية ووضعت المضرية السيف فيهم ، فأبادوا منهم خلقا ، واختفى أبو الخطار تحت سرير رحى ، فقبض عليه وجئ به إلى الصميل ، فضرب عنقه ، وقد ذكرنا خبر انخلاع يوسف عن سلطانه في ترجمة عبد الرحمن الداخل ، وهو آخر سلاطين الأندلس الذين ولوها من غير موارثة ، حتى جاءت الدولة المروانية . وذكر ابن حيان أنّ القائم بدولة يوسف والمستولي عليها الصّميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن الكلابي ، وجدّه شمر هو قاتل الحسين ، رضي اللّه تعالى عنه ! وكان شمر قد فرّ من المختار بولده من الكوفة إلى الشام ، فلمّا خرج كلثوم بن عياض للمغرب كان الصّميل فيمن خرج معه ، ودخل الأندلس في طالعة بلج ، وكان شجاعا جوادا جسورا على قلب الدول ،
--> ( 1 ) دانت : حضعت وأطاعت . ( 2 ) السوقة : الرعية من الناس ، ونتنصّف : نطلب الإنصاف . وفي ب : نتنصّف بالبناء المجهول . ( 3 ) كلّ : عجز وضعف . ( 4 ) الغرة : الغفلة . ( 5 ) الأنجاد : جمع نجد ، وهو الشجاع . ( 6 ) في ب : يبسط يدا لقتال . .