أحمد بن محمد المقري التلمساني
303
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فأجابهما في القيام والتقدّم على المضرية ، فاجتمعوا في شذونة « 1 » ، وآل الأمر إلى أن هزموا أبا الخطار على وادي لكّة وحصل أسيرا في أيديهم ، فأرادوا قتله ، ثم أرجئوه ، وأوثقوه وأقبلوا به إلى قرطبة ، وذلك في رجب سنة 127 بعد ولاية أبي الخطار بسنتين . ولمّا سجن أبو الخطار في قرطبة امتعض له عبد الرحمن بن حسان الكلبي ، فأقبل إلى قرطبة ليلا في ثلاثين فارسا معهم طائفة من الرّجّالة ، فهجموا على الحبس وأخرجوه منه ، ومضوا به إلى غرب الأندلس ، فعاد في طلب سلطانه ، ودبّ في يمانيته حتى اجتمع له عسكر أقبل بهم إلى قرطبة ، فخرج إليه ثوابة ومعه الصّميل ، فقام رجل من المضرية ليلا فصاح بأعلى صوته : يا معشر اليمن ، ما لكم تتعرّضون إلى الحرب وتردون المنايا عن أبي الخطار ؟ أليس قد قدرنا عليه لو أردنا قتله لفعلنا ، لكنّنا مننّا وعفونا وجعلنا الأمير منكم ، أفلا تفكرون في أمركم ، فلو أن الأمير من غيركم عذرتم ، ولا واللّه لا نقول هذا رهبة منكم ولا خوفا لحربكم ، ولكن تحرّجا من الدماء ورغبة في عاقبة « 2 » العامّة ، فتسامع الناس به ، وقالوا : صدق ، فتداعوا للرحيل ليلا ، فما أصبحوا إلّا على أميال . قال الرازي : ركب أبو الخطار البحر من ناحية تونس في المحرم سنة 125 ، وفي كتاب أبي الوليد بن الفرضي : كان أبو الخطار أعرابيّا عصبيّا ، أفرط في التعصّب لليمانيين ، وتحامل على مضر ، وأسخط قيسا ، فثار به زعيمهم الصّميل ، فخلعه ، ونصب مكانه ثوابة ، وهاج بين الفريقين الحروب المشهورة ، وخلع أبو الخطار بعد أربع سنين وتسعة أشهر ، وذلك سنة 128 ، وآل أمره إلى أن قتله الصّميل . وولي الأندلس ثوابة بن سلامة الجذامي ؛ قال ابن بشكوال : لمّا اتفقوا عليه خاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب ، صاحب القيروان ، فكتب إليه بعهد الأندلس ، وذلك سلخ رجب سنة 127 ، فضبط البلد ، وقام بأمره كلّه الصّميل واجتمع عليه أهل الأندلس ، وأقام واليا سنة أو نحوها ، ثم هلك ، وفي كتاب ابن الفرضي أنه ولي سنتين . ثم ولي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري ، وجدّه عقبة بن نافع صاحب إفريقية وباني القيروان المجاب الدعوة صاحب الغزوات والآثار الحميدة ، ولهذا البيت في السلطنة بإفريقية والأندلس نباهة . وذكر الرازي أنّ مولده بالقيروان ، ودخل أبوه الأندلس من إفريقية مع حبيب بن أبي عبيدة الفهري عند افتتاحهم ، ثم عاد إلى إفريقية ، وهرب عنه ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضبا له ، فهوي الأندلس « 3 » ، واستوطنها فساد بها . قال الرازي : كان يوسف يوم ولي الأندلس ابن سبع
--> ( 1 ) كذا في أ ، ب ، والروض . ( 2 ) في ب : عافية العامة . ( 3 ) هوي الأندلس : أحبها .