أحمد بن محمد المقري التلمساني
297
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قال ابن بشكوال : وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط ، وقد تقدّم مثل هذا في غزوة السّمح ، فكانت ولايته سنة وثمانية أشهر ، وفي رواية سنتين وثمانية أشهر ، وقيل غير ذلك ، وكان سرير سلطانه حضرة قرطبة . وولي الأندلس بعده عنبسة بن سحيم الكلبي ، وذكر ابن حيان أنه قدم على الأندلس واليا من قبل يزيد بن أبي مسلم ، كاتب الحجاج ، حين كان صاحب إفريقية ، وكان قدومه الأندلس في صفر سنة 103 ، فتأخّر بقدومه عبد الرحمن المتقدّم الذكر . قال ابن بشكوال : فاستقامت به الأندلس ، وضبط أمرها ، وغزا بنفسه إلى أرض الإفرنجة وتوفي في شعبان سنة 107 ، فكانت ولايته أربعة أعوام وأربعة أشهر ، وقيل : ثمانية أشهر . وذكر ابن حيان أنه في أيامه قام بجليقية علج خبيث يدعى بلاي ، فعاب على العلوج طول الفرار ، وأذكى « 1 » قرائحهم حتى سما بهم إلى طلب الثأر ، ودافع عن أرضه ، ومن وقته أخذ نصارى الأندلس في مدافعة المسلمين عمّا بقي بأيديهم من أرضهم والحماية عن حريمهم ، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك ، وقيل : إنه لم يبق بأرض جليقية قرية فما فوقها لم تفتح إلّا الصخرة التي لاذ بها هذا العلج ومات أصحابه جوعا إلى أن بقي في مقدار ثلاثين رجلا ونحو عشر نسوة ، وما لهم عيش إلّا من عسل النحل في جباح معهم في خروق الصخرة ، وما زالوا ممتنعين بوعرها إلى أن أعيا المسلمين أمرهم ، واحتقروهم ، وقالوا : ثلاثون علجا ما عسى أن يجيء منهم ؟ فبلغ أمرهم بعد ذلك في القوّة والكثرة والاستيلاء ما لا خفاء به . وملك بعده أذفونش جدّ عظماء الملوك المشهورين بهذه السّمة « 2 » . قال ابن سعيد : فآل احتقار تلك الصخرة ومن احتوت عليه إلى أن ملك عقب من كان فيها المدن العظيمة ، حتى إنّ حضرة قرطبة في يدهم الآن ، جبرها اللّه تعالى ! وهي كانت سرير السلطنة لعنبسة . ا ه . قال ابن حيان والحجاري : إنه لمّا استشهد عنبسة قدّم أهل الأندلس عليهم عذرة « 3 » بن عبد اللّه الفهري . ولم يعدّه ابن بشكوال في سلاطين الأندلس ، بل قال : ثم تتابعت ولاة الأندلس مرسلين من قبل صاحب إفريقية : أولهم يحيى بن سلمة ، وذكر الحجاري أن عذرة
--> ( 1 ) أذكى قرائحهم : أججها . ( 2 ) السمة : في الأصل العلاقة . وهنا الاسم الذي كان ملوكهم يتسمون به كما يقال مثلا لملوك الفرس : كسرى ، ولملوك الروم : قيصر ، ولملوك مصر : فرعون ، وهكذا . ( 3 ) كذا في أ ، ب ، وفي ه « عزرة » محرفا .