أحمد بن محمد المقري التلمساني
259
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الإنشاء وأين من يعرفه ، فوجدته ألطف من اسمه ، وأحسن من الدرر في نظمه ، وأطيب من الورد عند شمه ، هبّت على رياض فصوله نسيم صباها ، ففاقت الأزهار في رباها ، وتشوفت « 1 » قلوب الأدباء إلى انتشاق شذاها وطيب ريّاها ، وفاضت عليه أنوار البدر فأغنى سناها « 2 » ، عن الشمس وضحاها ، وتحلّت نحور البلغاء من كلامه بالدر اليتيم ، ومن معانيه بالعقد النظيم ، وترنّحت أفنان فنون الفصاحة لما هب عليها ذلك النسيم ، كل فصل له في الفضل أسلوب على بابه ، وطريق انفرد به منشئه محاسن لا توجد إلا في كتابه ، صدر هذا الكتاب عن علم سابق ، وفكر ثاقب وذهن رائق ونفس صادق ، وروية ملأت تصانيفها المغارب والمشارق ، وقريحة إذا ذقت جناها ، وشمت « 3 » سناها ، تذكرت ما بين العذيب وبارق « 4 » فاللّه تعالى يبقي مصنفه قبلة لأهل الأدب ويديمه ، ويبلغه من سعادة الدنيا والآخرة ما يرومه ، بمنه وكرمه ، انتهى . وقرظ عليه بعضهم بقوله : وقف المملوك سليمان بن داود المصري على فصول الحكم « 5 » من هذه الفصول ، ووجد من نسيم الصبا أمارات القبول ، ونزه طرفه في رياض هذا الكتاب ، وخاطب فكره العقيم في وصفه فعجز عن رد الجواب : [ بحر الكامل ] ما ذا أقول وكلّ وصف دونه * أين الحضيض من السّماك الأعزل يا لها كلمات نقصت قدر الأفاضل ، وفضحت فصحاء الأوائل ، وسحبت ذيل الفصاحة على سحبان وائل ، وزادت في البلاغة على فريد ، وغيرت حال القدماء فما عبد الرحيم الفاضل وما عبد الحميد « 6 » ، وذلت لها تشبيهات ابن المعتز طوعا ، وملكت زمام البيان فما تركت للبديع منه نوعا : [ بحر الكامل ] قطف الرجال القول حين نباته * وقطفت أنت القول لما نوّرا « 7 » وخطاب أعجز الخطباء وصفه ، وجواب ألغى البلغاء رصفه ، وغرائب تعرّفت بمبديها ، وشوارد تألفت بمهديها ، وجنان بلاغة لم يطمث أبكارها إنس قبلك ولا جان ، ولم يقطف
--> ( 1 ) في ب ، ه : « وتشوقت » وكلا المعنيين ، وما أثبتناه ، وما في ب ، ه رائع جميل . ( 2 ) السنا : النور . ( 3 ) شمت : نظرت . ( 4 ) العذيب وبارق : مكانان . ( 5 ) في ه : « فصوص الحكم » . ( 6 ) عبد الحميد : هو عبد الحميد الكاتب ، كاتب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية . ( 7 ) نوّر : أزهر ، والنّور : الزهر .