أحمد بن محمد المقري التلمساني

17

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

إقامة ، فيعرب عنها بحقيقة علامة ، وما وصف ذهبيّات أصيلها وقد حان من الشمس غروب ، ولا أزمان فصولها المتنوعات « 1 » ، ولا أوقات سرورها المهنئات ، ولقد أنصف من قال : ألفيتها كما تصف الألسن ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، انتهى . [ ابن جبير يصف جامع دمشق ] رجع إلى كلام ابن جبير فنقول : ثم ذكر في وصف الجامع أنه من أشهر جوامع الإسلام حسنا ، وإتقان بناء ، وغرابة صنعة ، واحتفال تنميق وتزيين ، وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه ، ومن عجيب شأنه أنه لا تنسج به العنكبوت ، ولا تدخله ، ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف ، ثم مدّ النفس في وصف الجامع وما به العجائب ، ثم قال بعد عدة أوراق ما نصه : وعن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة ، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر ، وقد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار دبرت تدبيرا هندسيا ، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازين مصورين من صفر قائمين على طاسي صفر « 2 » تحت كل واحد منهما أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها ، والطاسان « 3 » مثقوبتان ، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة ، وتبصر البازين « 4 » يمدّان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاسين ويقذفانها « 5 » بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحرا ، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي ، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصّفر ، لا يزال كذلك عند انقضاء كل ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات ، ثم تعود إلى حالها الأول ، ولها بالليل تدبير آخر ، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة ، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة ، مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة ، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة ، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح ، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها فلاحت للأبصار دائرة محمرة ، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها ، وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها ، درب بشأنها وانتقالها « 6 » ، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها ، وهي التي تمسيها الناس المنجانة ، انتهى المقصود منه .

--> ( 1 ) في ه : « المنوعات » . ( 2 ) في ب ، ه : « طاستين من صفر » . ( 3 ) في ب ، ه : « والطاستان » . ( 4 ) في ب : « البازيين » . ( 5 ) في ب : « إلى الطاستين ويقذفانهما » . ( 6 ) الدّرب على الشيء : المعتاد عليه ، والمتمرّن الحاذق فيه .